قبل سبعمائة سنة ، فى
الأربعينيات من القرن السابع الهجرى ، بدأ علاءُ
الدين (ابن النفيس) القرشى ، فى تدوين موسوعته
العلمية الهائلة الشامل فى الصناعة الطبية .. كان
يريد أن يصوغ علوم الطب والصيدلة صياغةً أخيرة ،
مكتملة ، بعد سبعة قرون من تطور العلم العربى فى
المجالات الطبيعة والصيدلانية، القائمة على دعائم
راسخة من التأسيس الفلسفى والتفكير العلمى ،
والناطقة باللغة العربية ، بعد قرون من استقرار
العلوم فى بنية الثقافة العربية ، منذ تسلَّم
العربُ المسلمون مشعل الحضارة من اليونان
والحضارات الشرقية القديمة .
وضع العلاء (ابن النفيس) مسودات موسوعته ، بحيث تقع
كاملةً فى 300 مجلد ، كل مجلَّدٍ منها يتناول موضوعاً
قائماً بذاته .. وخلال ثلاثين سنة ، قام بتبييض 80
مجلداً من موسوعة الشامل ، وتوفى قبل تبييض بقية
كتب الموسوعة ، مع أنه ظل يعمل فيها حتى بلغ
الثمانين من عمره ! ويبدو أنه كان شديد الاعتداد
بهذه الموسوعة وبغيرها من مؤلفاته ، إذ نقل عنه
المؤرخون أنه قال: لو لم أعلم أن تصانيفى تبقى بعدى
عشرة آلاف سنة ، ما وضعتها .
وكانت
موسوعة (الشامل) بمسوداتها ومجلداتها الثمانين ،
محفوظة فى مكتبة البيمارستان المنصورى فى القاهرة
(حالياً : مستشفى قلاوون) وقد ذكر المؤرِّخ الكبير
ابنُ فضل الله العمرى فى كتابه المخطوط : مسالك
الأبصار .. أنه شاهد موسوعة الشامل ، على صورتها
الأخيرة - وبخط مؤلِّفها- فى البيمارستان المنصورى
.. كان ذلك ، بعد سبعين سنة من وفاة علاء الدين (ابن
النفيس) .
.. ومضت القرونُ الطوال ، وتدهور حال
البلاد والعباد !
وتفرَّقت مجلدات (الشامل) وضاع كثيرٌ
منها ، مثلما تفرَّق وضاع أغلب التراث .. حتى أنه لم
يبق من الشامل فى يومنا هذا ، فى مكتبات مصر كافة،
غير مجلدين فقط . وكادت الموسوعة -بعدما تشتَّتت
مخطوطاتها - أن تختفى تماماً .
وخلال السنوات العشر الماضية ،
قام الدكتور يوسف زيدان بجمع مخطوطات (الشامل) من
مكتبات العالم وخزانات المخطوطات
العتيقة كافة، وظلَّ يجتهد فى استكمال الأجزاء
المتناثرة .. حتى اجتمع بين يديه أربعون كتاباً من
موسوعة الشامل ، وبدأ فى تحقيقها ودراسة نَصَّها
المخطوط ، تمهيداً لنشرها فى طبعةٍ محققة ، ليعلم
المتأخرون والأحفاد ، ما تركه الأولون والأجداد ..
وليعلم الذين جهلوا ، عظمة العقل العربى وروعة
عطائه .. ولكى يتم ترميم جزءٍ مهم من ذاكرتنا ،
وذاكرة العلم الإنسانى . |