ظـل الأفعـى
إلـى مَـىّ .. ابنتـى ، وجدَّتى .
إلمــاحٌ
وقعت أحداثُ هذه الرواية ، جميعُها ، فى الليلة التى يُسفر صباحُها
عن يوم الثلاثاء الموافق للتاسع من ذى القعدة سنة 1441 هجرية .. الموافق
أيضاً للثلاثين من يونيو سنة 2020 ميلادية ، وهى سنة 1736 القبطية المصرية
، وسنة 2012 القبطية الأثيوبية ، وسنة 1399 الشمسية الفارسية، وسنة 5780
بحسب التأريخ التوراتى البادئ من آدم اليهود .. وقد نشرتها ، عملاً بالحديث
الشريف : ألا لا يمنعنَّ رجلاً هيبةُ الناسِ ، أن يقول بحقٍّ إذا عَلِمه
(رواه الإمام أحمد فى المسند والترمذى فى السنن ، عن أبى سعيد الخدرى)
- آخرتها إيه يا عبده ، يا غلبان .
قالها فى نفسه هامساً ، ساعة الغروب ، وهو يصعد الدرجة الثالثة من
سُلَّم منـزله المكوَّن من طابقين ، فقط . منـزله المتكوِّم بلا هيبة ،
القابع بلا حضور متميِّز فى المكان ، ومن حوله استطالت العمارات ، حتى بدا
سطحُ المنـزل مثل
قاعٍ عميقٍ لبئرٍ لم يحفرها أحد ، ومثل فِنَاءٍ خلفىٍّ للشواهق الثلاثة
القبيحة التى أحاطت به بإحكامٍ خانق . حتى النوافذ التى فتحها سكان
الشواهق المحيطة ، لتطل على الفراغ المستقر فوق سقف المنـزل ، أُغلقت ، بعد
الواقعة المشهورة التى رفعت رأس عبده بين جيرانه الثقلاء ، الجاثمين
على روحه . ما علينا من كل ذلك ، فالمهم الآن هو حسم الأمر المعلَّق منذ
فترة ، فقد طال الصبرُ حتى تقطَّعت أوصاله .
عند الدرجة العاشرة من السُّلَّم الرخامىِّ ، المسيَّجة حوافه بقضبان
صدئة . رأى شقة الدور الأول ، المظلمة، المغلقة منذ وفاة جدته العجوز ،
المحطَّمة . قضت هذه المرأة السنوات العشرة الأخيرة من عمرها ، لاتتحدث إلا
عن فضائل زوجها ، وعن إنجازاته التى أهمها تشييد هذا المنـزل منتصف القرن
الماضى، العشرين . كان المرحوم قد شيَّده وسط فراغٍ رملىٍّ ، جعل
المنـزل يبدو آنذاك من بعيدٍ ، كصرحٍ أنيق .. ناءٍ .. متوحِّدٍ بطرازه
المعمارى الذى لاشخصية له . ومن حوله دار شريطٌ لايزيد عرضه عن مترين ، إلا
من ناحية الواجهة الخارجية . يصل العرض هناك إلى ثلاثة أمتار . الشريط
المحيط بالمنـزل ، كان فيما سبق حديقة ، وصارت أرضُه الآن جَرْداءَ قاحلةً
كالحقيقة .
تنهَّد عبده لحظةَ أن لمح صدأ القطع النحاسية التى كانت قبل
عقودٍ من الزمان ، تزيِّن باب الشقة . تذكر يومىْ وفاة جَـدِّه ، وجدَّته .
كلاهما مات فى صحةٍ مقبولةٍ بالنسبة لمن يناهز الثمانين ؟ صحة الجدِّ
بالطبع ، كانت أفضل .. أىُّ شئٍ ذلك الذى انطوى بموتهما . سأل نفسه :
أتراهما اليوم ينعمان ، معاً، بسكينة الخلود، ويرتعان فى رياض الجنة ؟ جاوب
نفسه بما معناه: ربما يرتع الجدُّ، أما الجدَّة فلا يبدو من حياتها المديدة
، الفارغة ، أنها عملت شيئاً تستحق به الخلود والرتع . وما الذى سيخلد منها
بالضبط ! وهى التى قضت الأعوام الثلاثين الأخيرة من عمرها ، لاتضحك ولا
تبكى . لم يرها طيلة عمره ، خارجةً عن مألوفها ، المحايد، الساكن دوماً.
غير أنها انفعلت مرةً، وصرخت فى وجهه بارتجافةٍ شديدةٍِ ، يوم همس فى أذنها
بأن جده لم يحسن اختيار موقع هذا المنـزل .
سُلم الدور الثانى ، الأخير ، درجاته أكثر نظافةً ونصوعاً . رخامُ
الدرج يزداد وهجُه الأبيض ، كلما ارتقاه .. بدت لعينيه الدرجةُ العالية ،
الأخيرة .
لماذا يتعلَّق قلبه بهذه الدرجة الرخامية العريضة ، بالذات ،
ويتوجَّس منها ؟ هل لأنها علامة الوصول وقرب الولوج ، أم لأنها علامة
الخروج من شقته الرطبة . لم تعد تدخلها الشمس مذ صار المنـزل تحت حصار
الجدران الخلفية للعمارات الثلاثة المحيطة به .. لا ، بل لأن هذه الدرجة
الرخامية ، هى العلامة النهائية الفارقة . نعم ، هى الفارقة بين الموت
والحياة ، هى علامة وجودك يا عبده يا مطحون ! فكلما تعادل عليها
مرورك (الصاعد/ الهابط) فأنت حىٌّ .. ويوماً ما ، ستمرُّ على هذه الدرجة
صعوداً أو هبوطاً ، ثم لا تعادل الصعود بهبوط ، أو الهبوط بصعود .. فتكون
عندئذ قد مت .
حَدَّث نفسه وهو يلتقط أنفاسه : عندما أموت ، هل ستقترن امرأتى
الناعمة برجلٍ آخر ؟ هل سترتخى له ؟ هل سيمرُّ بباطن كَفِّه الخشنة على
أنحاء جسدها العارى الممدَّد بجواره ؟ .. إييه يا عبده ، يا مخلول . لماذا
ترعدك هذه الخواطر والأفكار .. هه .. مشغولٌ بما سيحدث عندما تموت ! إنك
الآن ميتٌ وأنت حىٌّ .. تدور كالترس فى الفراغ ، ليلُك كئيبٌ ونهارُك .. لا
أحد يهتم بك ، يا مسكين ، مع أنك لم تقصِّر فى شئ .. طيب، الصبر عموماً طيب
ومطلوب . قد تنصلح الأمور الليلة ، وتكون آخرتها حلوة .
قبل أن يُولى وجهه نحو باب شقته ، تسمَّرت قدماه على الدرجة الأخيرة
، الفارقة ، وأمال وجهه نحو بئر السلم .. رآه بئراً أخرى ، فارغةً ، كبئرِ
الفراغ التى يستقر منـزله بقاعها ، وبئر الفراغ التى انحفرت بداخله خلال
الأسابيع الماضية .. بئرٌ ، ثم بئرٌ ، ثم بئرٌ ! فمتى سيخرج من دوامات
الآبار المتداخلة ؟
أطال النظر لأسفل ، وقع نظره على الصندوق الخشبى المخصَّص للبريد .
لاحَظَ للمرة الأولى ، أن حجمه كبير بالنسبة لأى صندوق مماثل ، وأن موضعه
عجيبٌ (أعلى الدرجة الأولى من السلم) .. مَنْ وضعه فى مكانه هذا، ومَنْ
صنعه بهذا الحجم : أبوك ؟ جدك ؟ المقاول الذى بنى المنـزل ؟ مَنْ ..
أدهشته فكرة أن يكون وجود الصندوق سابقاً على وجود المنـزل ، وأن
المنـزل بطابقيه بُنى خصيصاً لتحيط حوائطه حائلةُ اللون ، بهذه العلبة
الخشبية الخطيرة التى صار ينظر إليها مؤخراً ، بارتياب ، وصار مع بدء ورود
الرسائل ، يسميها : صندوق المفرقعات ! .. قبل شهرين ، حين قال لامرأته
الاسم الجديد للصندوق . لم تردّ ، ابتسمت بكسل ، ثم نظرت بأسىً إلى بعيد !
ماذا لو نزل الآن فنـزع الصندوق من مكانه ، ولو شاء حطَّمه ومحا من الوجود
أثره ، أو فَتَّته ثم أشعل فيه النار وراح يرقب احتراقه ، أو خلع جوانبه و
واجهته فألحق قلبه بالفراغ المحيط به ، أو ..
انتبه إلى أن صوتها الناعم ككل ما فيها ، يكاد يأتى خفيضاً من
داخل الشقة ، من الجانب الأيمن من الصالة الرطبة ، من البقعة الوحيدة
الخالية من الأثاث ، ومنها يتفرَّع الممرُّ المؤدى للغرف الثلاثة .
نبراتُها الناعمة دافئةٌ ، دافقةٌ ، فى تحنانها العميق غموضٌ وسموٌ . خلع
نعليه أمام باب الشقة ، كما يفعل دوماً ، وكما يحبُّ أن يفعل زوارهما
القلائل (معظمهم يتجاهل الأمر ويدخل بحذائه ، خاصةً النساء) أباح لنفسه أن
يلصق أذنه بالبـاب ، حتى يتسمَّع تلك الأغنية التى تردِّدها امرأته . أهى
أغنيةٌ، أم نشيدٌ قديم، أم ترنيمةٌ سحرية ، أم همسُ جنونٍ يتسلل إلى عقلها
منذ بدء ورود الرسائل الغامضة ؟ .. ما الذى جرى للمرأة التى أحبها ، وكان
يظهر إخلاصه لها . من بعيد سمع كلمات متفرِّقة ، من قولها :
محيطاً بلا نهاية ..
.. وحدى ، أنا
سأبقى ، وأصيرُ ..
أفعى ، عصيَّةً ..
نقر البابَ بوجل، نقرةً خفيفةً خفية . لم يستعمل مفتاحه ، كيلا
يفجؤها أو يُفاجأ هو بوقفتها السامقة التى يمكنه أن يتخيَّل روعتها .
توقَّف ترنُّمها إذ أَلْفته لدى الباب . رآها آتيةً من خلف زجاج الباب
المغبَّش . ها هى تقترب إلى ناحيته ، كالحلم . صار بمقدوره أن يرى رفرفة
خصلات شعرها المتهدِّل بنعومته الآسرة ، علـى كتفيها العاريين .. كتفيها ،
البضَّين ، البيضاوينِ ، المنحدرينِ بانسيابٍ سحرى نحو مركز الإبط الدافئ،
الممتدينِ بلون سحاب الصيف إلى حيثُ التقاءِ النهدين . فى نهديها رقةٌ
محيرة . لهما ملمس أوراق الورد ، وفيهما خلاصة الرحيق السماوى ، كله .
فتحت الباب وهى تنظر إلى حيث تتوقَّع أن ترى وجهه . غاصت نظرتُها فى
قلب عينيه ، ثم نفذت من هناك إلى دماغه فأثلجتها ، ثم انصبت فى نخاعه
الشوكى فبعثت رعدةً خفيفةً غمرت ظهره .. مهلاً ! كيف يمكنها بهذه العفوية ،
النظر إليه بهذه العلوية ، وهذا التسامى . مع أنها أقصر منه قليلاً ! وكيف
يمكن لعينيها أن ترفعه على هذا النحو ، لأعلى .. فتطيِّره .. وتنذره
بالسقوط من شاهق .
- إيه اللِّى سمعته مِنِّك ده ؟ .. وبعدين ، إيه آخرتها معاكى . يا حبيبتى
، كفاية كده . حرام عليكى . أنا بحبك ، ومخلص ..
لم يستطع أن يكمل ، كان ينوى أن يعلو بثورته إلى المنتهى، وبعدها
يحطُّ عند حَدِّ التوسُّل ، ثم يرسو على شطِّ الذكريات الحلوة بينها ..
فيستردها فى النهاية ، يردُّها إليه من أفق النأى . لكنه لم يستطع أن يكمل
. احتقن صوته وارتطمت كلماته بهذا الجدار المنيع ، الذى سرعان ما ارتفع فى
عينيها الواسعتين . ارتفع مثل سورٍ ممتدٍ من بدء الخليقة ، إلى آخر زفرةٍ
حَرَّى أطلقها وهو فى حضنها المتجرِّد ، إلا من طغيان رغبتها المتأجِّجة
الطامحة إلى الإتاحة والمنح . كانت تلك المرة الأخيرة ، قبل سبعة وأربعين
يوماً ، قبيل الفجر .
علا الجدارُ المنيعُ بعينيها ، مع احتداد نظرتها . ولما ضمَّت
حاجبيها ، ازدادت عيناها غوصاً فيه .. فأسكتته .
-
أُدخلْ .
قالتها حازمةً و استدارت مبتعدةً ، فتوغَّلت فى الممرِّ
المؤدِّى لغرفة نومها ، المؤدِّى لسريرها ، المؤدِّى للجنة التى طُرد منها
قبل سبعٍ وأربعين ليلة .. لاحقها بناظريه مشدوهاً . خصرُها بديع ، الثوبُ
السماوىُّ الفضفاضُ ، القصير ، يشفُّ اللونَ الكُحلىَّ لملابسها الداخلية .
وما ملابسها الداخلية ، إلا قطعةٌ واحدةٌ ذات جناحين محلِّقين بردفيها ،
يمسكهما شريطان لامعان يلتصقان ، بإحكام ، بجانبيها .. النسيجُ الكحلىُّ
اللامع ، يمسك بالانسياب اللدن الناصع ، حتى لاينفلت ! ليتها تخلع الثوبَ
السماوىَّ المشفَّ ، ليرى ما يضطرم تحته من صراعٍ بين اللامع والناصع ، مع
حركة ردفيها الرزينة .. ولابد أن النصوع سيغلب فى النهاية، وتنفلت اللدونة
العاجية الشهية من حصارها .
غاص فى نفسه ، هيَّجه التوقُ وفَرَكه الشوقُ .. هو محبوسٌ عنها ، بها
. وجسمها محبوسٌ عنه بأشرطةٍ داخليةٍ لامعة ، وقطعةٍ من نسيجٍ كحلىٍّ تكاد
تشفُّ ما تحتها . لقد شَفَّه الوجدُ .. فإلى متى سيدوم هذا الحبس ؟
قبل أن تتوارى عن عينيه المشدوهتين ، لمح بيدها وريقات لونها لون
الكناريا، اعتقد أولاً أنها واحدة من الرسائل (لكنه سوف يعرف ما فيها بعد
ساعات) .. فى يدها الأخرى كتابٌ ، مجلدٌ صغير أنيق .
دَسَّت الوريقات فى الكتاب وهى تغيب فى الممر ، غير عابئةٍ به ..
اندفع ليدركها ، متجاهلاً الأطباق والأرغفة المصفوفة أرباعُها بإتقانٍ ،
فوق المائدة الدائرية المحصورة بأقصى زاوية الجانب الأيمن من الصالة . لم
يلتفت ليعرف نوع الطعام المعدُّ له اليوم . لحق بها فى الغرفة . أراد أن
يتكلم .. تاهت منه لفظةُ البدءِ . هدوؤها الوقورُ يقلقه ، مع أنه كان
مولعاً بوقارها وهدوئها قبل سنوات . قبل سنوات ، آه ، كانت بيضاءَ ،
هادئـةً ، وقوراً .. يوم رآها للمرة الأولى . يوم خفق قلبه للمرة الأولى .
يوم نوى للمرة الأولى ، والأخيرة ، أن يتزوَّج .
كانا قد التقيا فى حديقة المبنى الكبير المسمى مجمَّع التدريب
الذى أُرسلا إليه ، كُلٌّ من جهته . هو ليدرس لثلاثة أشهـر ، أصولَ توظيفِ
الألوانِ البرَّاقة فى تصميمات أغلفة المنتجات الاستهلاكية صغيرة الحجم !
إذ كان لابد من حصوله على دورة التدريب السمجة ، هذه ، ليمكنه استلام
وظيفته الجديدة فى قسم الجرافيك بالشركة الدولية المجمعة لإنتاج
الوجبات الخفيفة . وكانت هى قد انتظمت فى مركز التدريب ، من قبل مجيئه
بسبعة أسابيع ، بالدورة التدريبية عالية المستوى ، لتطوير مهارات الترجمة
ومعالجة الألفاظ المشتركة بين عدة لغات، استعداداً لتسلُّم عملها كمترجمة
فى الهيئة الدولية المشتركة لضبط النصوص المترجمة من
كل اللغات إلى الإنجليزية ، وحَثِّ الكُتَّاب على التأليف بها ! وهى الهيئة
المعروفة اختصاراً ، بالأحرف العربية الثلاثة ، التى تبدأ بها كلماتها :
هدم .
يومها ، هفا إليها حين مرَّت أمامه . صبا نحو جمالها ، حين دنا .
انقلبت دولته ، لما تدانت . ذاب ، لما حيَّته بابتسامة من قاب منزين أو
أدنى . تدلَّه ، لما أوحت إليه بالاقتراب أكثر . طار فرحاً ، لما بادلته
الكلمات والبسمات والإشارات .. كان هدوؤها ووقارها، من النوع الأبيض
الذى يحبه الرجالُ فى النساء . كان كذلك فى ذاك الزمن ، ثم صار اليوم من
النوع الرمادى الغامض ، الذى يكرهه الرجال فى النساء ، صار عميقاً
.. مقلقاً .
- نواعم ..
ناداها بتمهُّلٍ يناسب مفتتحَ الكلامِ الذى لم يعرف طيلة الأشهر
الماضية ، كيف يبوح إليها به . من المستحسن أن يبدأ بمناداتها بهذا الاسم
الواصف ، الذى اخترعه لها ليدلِّلها به ظاهريـاً ، لكنه يستشعرُ بروحه
كُلَّ حرف فيه . كان قد همس به فى أذنها اليسرى ، عفوياً ، يوم احتضنها
عاريةً لأول مرة . كانت النشوة تلفُّها ، بحيث زادتها الكلمة خَدَراً على
خدر ، فزاد ذوبانها حتى شَعَرَ أنها تسيل بين ذراعيه . نظر ساعتها فى قلب
عينيها ، وكرَّر الكلمة .. نواعم .. فأسبلت رموشها الكثيفة ، وراحت
فيما يشبه الغيبوبة . بعد الإفاقة ، سألته لِمَ ناداها بهذا الاسم القديم ،
الذى لم يعد يستعمله اليوم أحدٌ ؟ قال ما معناه : لأن كل ما فيك ناعم ،
وأنت مجمع النعومة ، وهذا اسمك عنـدى ، للأبد !
جرى ذلك أيام زواجهما ، قبل قرابة سبع سنين . والآن ، ها هو واقفٌ
قرب بابها ، وقد صارت نعومتها قاسيةً ، قاصيةً ، نائيةً عنه .. موغلةً فى
النأى .
- نَعَمْ !
ردَّت بهدوءٍ عميق ، مُؤَثِّر . فردَّته من غيبته اللذيذة فى ماضيهما
المشترك . أراح عينيه على جدائل شعرها المتهدِّلة خصلاتُه القوية ، على
كتفيها . انزلقت عيناه نحو استدارة كتفها اليمنى . ماذا لو اقترب منها
الآن، ولثم نقطةَ انحدارِ شمسِ الكتف البديع المنساب إلى دفء الإبط . يا
أللـه . من أيَّة مادةٍ سماوية خُلقت هذه المرأة البديعة . هل ستزيحه عنها
لو اقترب ؟ أم ستتركه يجتاحها ، مدفوعاً بغيِّه نحو غاياته ؟ .. أين غاياته
منها ؟ أين ينتهى به مطافُه السابحُ موجاتها المنسابة ، المتوالية . وإذا
تركته يبحر فوق نواعمها ، إلى أين سيصل به المطاف ؟ أين هى من شوقه إليها ،
واشتياقه ؟ .. الشوقُ يسكن باللقاء ، واشتياقه يهيج بالالتقاء .
- نَعَمْ !
قالتها هذه المرة بنعومةٍ آسرةٍ لاتخلو من سخريةٍ هامسةٍ واشيةٍ
بإدراكها حالة اضطرابه . زاده إدراكُها اضطرابه اضطراباً .. اقترب خطوتين
خجولتين ، واستعدَّ للانكماش تحت ظلِّها . جثا أمامها على ركبتيه ، ثم
افترش الأرض . أمال رأسه برفق ، نحو الوسادة القطنية التى تتكئ عليها .
سَكَنَ ، ليَسْكنها . انكمش ، ليخَمْشها . هَبَطَ ، لتُعليه .. دَنَـا ،
لتتدلَّى .
ارتخى جفناه حين مرَّرت أنامل كَفِّها اليسرى ، فوق منابت شعره .
أخذه الدوارُ . حار سعيُه فى اختيار مدار : هل يكمل ما بدأه .. ينهزم لها
فتنساب هى إليه، كما يتمنى أن تفعل الآن ؟ أم ينتفض ، ويثور عليها ثورةً قد
تفضى إلى استسلامها له . مضى وقتٌ طويل منذ آخر استسلامٍ . وقتٌ طويل مضى
منذ آخر مرة استلم فيها جسمها الذائب بين ذراعيه لينتشى بخَمْرهِ إلى حَدِّ
المجون ، إلى حَدِّ النهم اللاأخلاقى ، نهم البدائيين المحرومين . بدت له
ليلتها ، باستسلامها العارى من كل شئ ، إلا الرغبة فى المنح ، كخبيئةٍ
نادرة صادفت نابشَ قبورٍ تعيس .
رفع كفيه ببطء نحو إبطيها ، ثم قارب بينهما ليحفَّ ثدييها . مدَّتْ
يدها اليمنى لتوقفه ، فتعلَّق بكفِّها . سحبه إليه بهدوء ناسكٍ مخلصٍ ،
يجثو أمام تمثال إلهٍ قديمٍ مندثر . مَرَّ بباطن كَفِّها على وجهه ، اغتسل
بنور أناملهـا ، لامس بشفته السفلى أطراف كفِّها ، فتنهَّدت ، فارتجف حتى
كادت دمعةٌ تفيضُ من عينيه .. ناداها .
- نَعَمْ !
لم يستطع المجاوبة . ارتعش قلبه . سكن تماماً ، ثم استجمع وجوده كله
، ليندس بوجهه بين نهديها . التصق بشدة . وَدَّ لو غاص فيها حتى يتلاشى
تماماً ، علَّه يولد ثانيةً من رحمها .
مرَّت بكفيها على كتفيه . استسلم لها حين رفعته بأمرٍ خفىٍّ . أترى ،
هل مالت هى نحوه حتى صار بحضنها، أم هو الذى ارتقى إليها ؟
صارت تحيط خصره بباطن فخذيها . شفَّ ، وخَفَّ ، وهام . هو جاثٍ على
ركبتيه يحيط خصرها بذراعيه ، وهى جالسة على طرف السرير ، وقد انكشف ساقاها
وآن سُقياها . ماذا لو انكشفت كلها ، فتأجَّجت وفاضت عينُ مياهها ؟
مَدَّ يده برفق ، فأزاح عن كتفيها الخيطين الممسكين بثوبها السماوىّ
الشَّفَّاف . كلما انزاح الثوبُ عن موضع من صدرها ، قبَّله . مسح فيه وجهه
. بعد هنيهة ، تركته يهبط بالسحاب السماوىّ الحاجب للشمسين .. لما انكشف
صدرُها ، تنهَّد بحُرقـةٍ ، وأراح جبهته عليه .
.. شَعَرَ بالشلاَّل يَسَّاقط ماؤه ، ثم لحظ انتفاضة خلاياها مع
حَرِّ أنفاسه ، فازدادت شجاعته . أزاد لهيب قبلاته بحركة طرف لسانه ، ثم
هبط بحمى القُبل اللاهبة ، من موضع افتراق الناهدين ، إلى حيث النعومة
الخالصة .. هبط بملهباته ، ثم انحدر بها ، فانتهى عند الغاية والمنتهى .
- عَبـُّـودى .
قالتها بنعومة خالصة وقد أسبلت رموشها الرشيقة ، وانسدل شعرها .
لفَّها شعورٌ واشٍ بأن خلايا جسمها ، جميعها ، تدعوه . راحت إلى أفقٍ بعيدٍ
. سرت فيها موجاتُ دفءٍ متتالية غمرتها من أعلاها إلى أعلاها .
نداؤها السحرى دغدغ روحه . ثَقُلت رأسه فأراحها عند ملتقى ساقيها ..
مَرَّت على خاطره المرَّة الأولى التى نادته بهذا الاسم . لما سألها حينها
، قالت إن اسمه الجديد هذا، تدليلٌ لكلمة عبده التى يناديه الناس
بها . ثم أضافت بدلالٍ ويُسر : عبدُ مَنْ ؟ أنت عبدى أنا .. عبدى الصغير ..
عبُّودى !
ساعتها ابتسم مستخفِّاً بكلامها ، لم يكن يعرف ما خبَّأه الزمانُ له
. بعد أيام سألها عن هذه الكلمة ثانيةً ، لما قالتها ثانيةً . فأجابت
الإجابة نفسها ، بالسهولة نفسها . فوجم قليلاً ، ثم عبس وتوجَّس . فى المرة
الثالثة تكرَّر الأمر ، فثار . طوَّح ذراعيه . قام ، وجلس ، وقام . أراد أن
يظهر لها حنقه من جرأتها عليه . طلب منها بحزمٍ وحسمٍ وعزمٍ ، ألا تعود
لمناداته بهذه الكلمة أبداً ، ولا تفكِّر فيها بعد ذلك أبداً ، ولا
تظن أنه سيقبل ذلك منها ، أبداً ، مهما كان .. لكنها ظلت تناديه
عَبُّودى كلما قبلته وقبَّلته وكاد يعتليها .
فى الأشهر الأخيرة ، كانت حين يشتعل بهما الشوقُ ويستقر قاربُه فوق
مياهها ، تشعر أن الذى بداخلها ، منه ، إنما هو جزءٌ منها . غريبٌ عاد
لداره ، أو هو حجرٌ انخلع من بناءٍ ، ثم أعيد لموضعه . أسمعته فى إحدى
الليالى بعد هدأة الأمر ، بعدما خمدت كل الثورات التى تأجَّجت بجسميهما ،
وهمدت بينهما حُمى التوغُّلات والتشبُّثات . أسمعته ، وكأنها تقبِّله فى
أذنه اليسرى التى يدوِّخه همسُها فيها . أسمعته بصوتٍ ذى بَحَّةٍ وفحيحٍ
سحرى ، عبارةً غريبة المعنى : صَحْ ، ما ذكَّر المذكَّر ، هو الذى
أنَّث المؤنَّث .
لم يفهم ذلك وقتها . وكان عليه أن ينتظر طويلاً حتى يصله البيان
والتبيان ، فيزيد من قلقه ودهشته واغترابه عنها .
- عَبُّــودى .
قالتها ثانية ، وكأنها تنطق بلغةٍ أخرى لا يفهمها إلا هو . قالتها
بحروف غير الحروف . العين قريبة من الهاء ، الباء رقَّت كأنها تنهيدة طفل
رضيع ، الواو فاضت وتماوجت كمياه عينٍ دافئة ، الدال خفتت حتى اقتربت
صوتياً من التاء ، وما كادت الياء تبين لسمعه ، مع أن السكون كان تاماً
حولهما .. قالتها ، وقد أخذها الدَّوَارُ لما مَرَّ لسانُه على أرضها ،
وأحسَّت بأصابعه المنغرزة فى ظهرها العارى ، تغوص كجذور أشجار قديمة ،
فتداعب أطرافُها بذور جنينٍ كامنٍ فيها منذ ألوف السنين .. ازداد التصاقهما
. تزلزل باطنها ، فانكشفت . تكشَّفت ، فأدركت . سَرَت ، فأسرَّت لنفسها :
إن ما يأتينى من خارجٍ ، باعثٌ لما هو كامنٌ أصلاً بداخلى . ففى
منطقة عميقة مِنِّى ، تكمن النقطة التى بدأ منها الوجود ، النقطة التى خُلق
منها الكون .. ماما ، إننى أشعر الآن برغبةٍ عارمةٍ فى الهبوط لقاع المحيط
، أو التمدُّد عاريةً فوق كوكبٍ مهجور ، أو جذب جبلٍ ملئ بالأشجار نحو جسمى
العارى الممدود فوق السرير ، الممتد من بدء الكون إلى منتهاه .
راحـت ، كمـا توقَّع هـو ، تعزف بأنفاسها المكتومة بباطنهـا ، مقطوعة
التأوُّهات السحرية . المقطوعة التى لا تتكرَّر أبداً نغماتها . راحت تسافر
به إلى ما وراء الوراء ، وفَوْق الفوق، وبَعْد البعد . طاح قلبه وانداح ،
لما دعته بأمرٍ خفىٍّ أن يتماوجـا . زحف إلى قلب السرير منتشياً . تقلَّبا
، حتى كاد يغرس بخيمتها الوتد . شعر لحظتها أنه ينمحق ، يتناثر فى الكون
كذراتٍ لامتناهية الهيمان .
غابت هى ، تماماً .. غامت رؤياها ، انكشف باطنها لـمَّا شعرتْ بقوة
المحبة الطاغية ، تجتاحها . توهَّجتْ فى باطنها نقطةُ البدء ، نقطةُ سِرِّ
الوجود ، نقطةُ النار المبدعة .. اجتاحت خلاياها ترنيمةُ الإلهة القديمة :
أنا عشتار
النارُ الملتهبةُ التى استعرت فى الجبال
الاسمُ الرابع من أسمائى الخمسين المقدسة ، هو :
نارُ المعركة المحتدمة .
فاجعلنى ، وحدى ، كخاتمٍ على قلبك .. لأن المحبة قويةٌ كالموت
.
شعرتْ بالكون كله يمورُ بباطنها ، فأغمضت عينيها وغابت فى أزمنةٍ
سحيقة .. شعرت بأمِّها ، اشتاقت إليها ، جَرَفها نحوها التياعٌ لامحدود .
نادتها نداءً خفياً :
ماما ، أين أنت الآن أيتها الروح السارية فى العوالم القديمـة ؟ ..
ماما .. أخبرينى ، هل الآفاق التى تتقاذفنى الآن ، مع هذا الرجل الذى يكاد
ينغرس بأرضى ، هو ما ذكرته فى رسالتك التاسعة ؟ أهذا هو الجنس المقدس الذى
كانت كاهنات الرَّبة ، يمارسنه فى المعابد ؟ أترانى فى هذه اللحظة، تلك
الأنثى فى ذاتها التى حكيتِ لى عنها ، وما هو إلا واحدٌ من الرجال ، لا
أكثر ولا أقل . تعرفين يا ماما ولايعرف هو . أننى عرفت زلزلة
الأعماق هذه ، مع غيره . عشتها بكل روعتها ، مرات .. مرةً مع الخبير
الذى التقيته فبقيت غارقة فى بحر عشقه طيلة الصيف اللاهب ، سنة تخرُّجى
وتوهُّجى واندلاعى . كم كان ماهراً فى التقاط شواردى وأناملى وانفراجة شفتى
.. ومرةً مع لمسة الشاب الأشقر الذى انطلقت معه ، أيام زرت ألمانيا فى صيف
السنة الأخيرة من دراستى الثانوية . كم كان جميلاً هذا الشاب . آه يا ماما
، ولكنى عرفتُ الآن فقـط ، أن سرَّ الإبحار فى الأنوثة قد يكون بمجداف أى
رجل . وعرفت أن النقطة / السِّرَّ ، إنما هى بداخلى أنا . وعرفت الدوار
العلوى ، حين سمعتُ صلصلة الجرس بأعماقى . ماما ، إلى مَنْ أرفع نجواى .
ولمن سأهمس بأسرارى ، وهذا الرجل الذى فوقى ، تحتى ، وبيننا هاوية عصورٍ
سحيقة .. ماما ، إلى أين تأخذيننى ؟ أترانى سأعود يوماً ، مثلما كنتُ قبل
إشراق رسائلك فى كهف حياتى . لا ، لم يعد ذلك بإمكانى . ماما ، تلك ليلتى
الأخيرة هنا ، وبعدها سأحلِّق نحوى، نحوك . لن أعود لما كنتُ فيه ، ولن
تعاودنى شكوكى ..
- ماما ، خدينى .
انتبه (عبودى) حين همست بالكلمتين المفاجئتين . شعر أنهما انفلتا من
شفتيها ، ليدلاَّه على تفاهته ، وعلى غيابه التام عنها !
كان الليلُ قد عمَّ سكونُه . رفع عبده رأسه مستغرباً . نظر
إليها كطفلٍ حائرٍ ، متسائلاً . فتحت عينيها الواسعتين ، فقفزت نظرته
المتسائلة فيهما . تأفَّفت ، أشاحت عنه برأسها المستقرة على خصلات شعرها
المفروش فوق الوسادة ، لاحقها بنظراته من جهة اليمين ، إلى الجهة اليسرى
حيث أشاحت ثانيةً . حدَّق فيها باستغراب روحٍ هائمةٍ عَلَتْ .. عَلَقَتْ ..
ثم انزلقت من فوق سحابة . وَدَّ لو تتلقَّف روحه الحائرة ، بنظرةٍ حالمة
تحلِّق به مجدَّداً . لكنها لم تترك له سبيلاً لذلك .
أمام نظرته الطفلية ، المستغربة ، أسبلت جفنيها باستسلام محاربٍ
قديمٍ انسحبت روحه ببطء من أطراف أصابعه ، فسقط سيفه من يده .
- تُقصدى إيه بكلامك ، بتكلِّمى مين ؟
لم تكن لديها الرغبة فى الإجابة . لم تكن لديها الرغبة فى أى شئ ..
دفعته بباطن كَّفيها ، كى ينـزل عنها . تـشبَّث . توسَّل إليها بانعقادِ
حاجبيه وتهدُّلِ شفته ، وبكل بؤس حاله رجاها أن تتركه لبضع دقائق ، كى
يُنهى ما بدأ .. ازداد دفعها له ، وقد تكثَّرت حول عينيها خطوط الامتعاض ،
فتكسَّرت روحه . ازداد تشبُّثه ، اهتزَّ فوقها وقد ارتجف من عمق رغبته
الطامحة إلى إنهاء الارتواء .. لقد كاد الأمرُ يتمُّ ، وينـزاح الـهَمُّ :
- أرجوكِ يا حبيبتى ، دقيقة واحدة ، وخلاص .
نظرت تجاهه بحدَّة . شعر بنظرتها تخرق وجهه ، تحرقه ، تكاد تنتزع
فروة رأسه . فارتمى مستلقياً بجوارها، كحطام سفينةٍ قذفتها موجةٌ عاتيةٌ ،
نحو رمال شاطئ مهجور .
مرَّت عليهما دقائقُ ، أو دهورٌ . صار هواءُ الغرفة ثقيلاً . وصارا
مُستلقيين ، ذاهلين بما هما فيه عن عريهما ، ذهولَ البشر الأوائل .. كلاهما
يحدِّق فى سماء الغرفة .. كلاهما يرى ما لايراه الآخر .. كلاهما سادرٌ فى
غيِّه ، هائمٌ فى غاياته .
أنَّى سيلتقيان ، بعدما خُولف بين طريقيهما ؟