|
عوداً إلى ما نشرته جريدة الأسبوع القاهريَّة ، فأثار زوبعة الفنجان
التى نحن بصدد الحديث عنها ، أودُّ هنا أن أتوقفَ قليلاً عند بعض الملاحظات ..
منها :
(أ)
ما العلاقة بين العنوان والصورة الموضوعة مع المقال
(انقر
هنا لترى صورة طبق الأصل لما نشرته جريدة الأسبوع)
فالموضوع الأساسى للمقال هو تجديدات مُتحف المخطوطات احتفالاً بمرور عام على
افتتاح المكتبة ، فى حين أنَّ العنوانَ والصورةَ لاترتبط بالموضوع من قريب أو
بعيد ، وإنما يرتبط مباشرة بالزوبعة المراد إثارتها !
(ب)
ما العلاقة بين كلامى الفعلى الذى قلته للجريدة (وهو المنشور فى السطور الاثنين
والعشرين الأخيرة) وما سبقه من كلام تهييجى غير متوافق أسلوبياً وموضوعياً مع
ما نقلته عنى الصحف الأخرى كلُّها وما ذكرته (الأسبوع) نفسها فى السطور الأخيرة
، الاثنين والعشرين .
(جـ) كيف يجوز لشخصٍ متخصِّص مثلى ، حاصل على درجة الأستاذيَّة فى الفلسفة،
ونشر حتى الآن أكثر من أربعين كتاباً متخصِّصاً منها كتاب يقع فى أكثر من
أربعين جزءاً .. كيف يجوز أن يستهين ببساطةٍ بالتوراة التى أثرت فى الفكر
الإنسانى كله ، فيقول إنَّ ذلك الكتاب التافه (البروتوكولات) أكثر منها أهمية ؟
( د ) ماهو سر التثوير المتعمَّد فى الصيغ
التى استخدمتها الصحيفة لعرض الموضوع، لن نوردَ هنا الموضوع بأكمله ، وإنما
سنتوقف عند مختاراتٍ منه ، وسوف نضع على
الصيغ اللافتة علاماتِ تنصيص ، لتكونَ إشارةً لضرورة الوقوف عندها
.. جاء فى الصحيفة ما نصُّه :
على عكس المتوقَّع
تم وضع (البروتوكولات) الذى أُضيف
داخل فاترينة الكتب السماويَّة بجوار التوراة
ليطالعَه زوَّارُ المكتبة
من كلِّ جنسيَّات العالم .. قال
المترجم فى مقدِّمته: هذا الكتاب أخطر
كتاب ظهر فى العالم .. وكانت نسخة هذا الكتاب قد
أودعت قسمَ الإهداءات وقد تم
وضعُه منذ أيام داخل مُتحف
المخطوطات، تساؤلات كثيرة تبادرت
إلى
الأذهان عقب وضع الكتاب فى المتحف منها: لماذا تم وضعُه فى
فاترينة الكتب السماويَّة وبالتحديد بجوار التوراة ؟ وهل ستصمد
إدارة
المتحف أمام اعتراضاتِ اليهود
المتوقَّعة والذين يعتبرون مجرد الحديث عن البروتوكولات
جريمة
شنعاء .. الأسبوع التقت بالدكتور
يوسف زيدان مدير متحف المخطوطات وصاحب
قرار وضع الكتاب فقال: عندما
وقعت عينى على هذه النسخة النادرة من الكتاب
الخطير قرَّرتُ على الفور وضعه
إلى جوار التوراة ، وربما يُعدُّ كتابُ البروتوكولات
أهمَّ
من
التوراة .. إلخ .
أقول : إن هذه الصيغ والوقائع المختلقة جديرةٌ بالنظر والاعتبار ، فلم يحدث
اطلاقاً أن وُضع كتاب البروتوكولات بجوار التوراة ، ولم يحدث أن توقَّعَ أحدٌ
شيئاً ، ثم جاء على عكس المتوقع
أن أضيف البروتوكولات لفاترينة
الكتب السماوية ، ولم يحدث أننَّى قلت عن هذا الكتاب التافه المعنون
بالبروتوكولات : إِنه كتاب خطير .. وبالطبع ، فإنَّه لم يحدث أنَّنى كتبت
كلاماً كهذا أو سجَّلتُه مع هذه الصحفيَّة أو غيرها . بعبارة أخرى ، هو كلام لا
دليل عليه .. ولسوف أعودُ للكلام عن مسألة (الأدلة) تفصيلاً عند مناقشتى
القادمة للمسألة اليهوديَّة برمَّتِها .
أزيد على ما سبق : أين تلك الأذهان التى تبادر إليها التساؤلاتُ عن
السبب فى وضع الكتاب فى فاترينة
الكتب السماويَّة ، ولماذا تبادرت إلى الأذهان قدرةُ
إدارة
المتحف على الصمود أمام اعتراضات
اليهود المتوقَّعة ولم يتبادر
إلى الأذهان التساؤل عن قدرتنا
جميعاً على الصمود! ولماذا أردفت الصحيفةُ اسمى بقولها
صاحب قرار وضع الكتاب علماً بأنَّ
الصحيفةَ وزوَّار المتحف يعلمون أنَّ كتاب (البروتوكولات) باعتباره واحداً من
الوثائق التى شكَّلت الوعى المعاصر ، كان سيأخذ دوره فى العرض المؤقَّتِ
بفاترينة الوثائق (لا الكتب السماويَّة) مع غيره من غرائب مقتنيات المكتبة دون
أىِّ تعليقٍ عليه أو مادَّة علميَّة باللغات المختلفة ، وهو ما نفعله مع
المقتنيات الأساسيَّةِ المعروضة بالمتحف من مخطوطاتٍ وكتب نادرة يزيد عددُها
على مائة وخمسين موضوعاً . وكان المفترض أن يُعرضَ الكتاب لمدَّةِ شهرٍ ثم
تتغير الفاترينة بكاملها ، وقد تغيرت بالفعل هذا الشهر ، وهى اليوم تحتوى على
موضوعات لاتقل غرائبيَّةً عن (البروتوكولات) .
نخرج من ذلك كلِّه ، إلى حقيقة صغيرة تقول إن (واقعة) العرض المؤقَّت لأول
ترجمة عربيَّة للبروتوكولات ، تأسَّس عليها تخييلات كثيرة .. تخييلات بدأت
بالطريقة التى نُشر بها الموضوع فى الجريدة المصريَّة ، ثم التزامن اللافت
للنظر لعرض الموضوع (يوم 27/11/2003) بالجريدتين الإسرائيليتين ، ثم الهجوم
النظامى الذى شنته مواقع الإنترنت فى اليوم التالى مباشرةً
(انقر هنا لترى قائمة
المواقع
التي تعرضت للموضوع بعد نشره بساعات).
إن التخييلات قد تكون من القوَّةِ ، بحيث تكتسب سلطاناً على الأذهان ، سلطاناً
يفوق قدرة (الواقعة) الفعليَّةِ على الحضور والتأثير فى الأذهان .. وبالطبع ،
كلما كانت الأذهان أكثر رصانةً وحصافةً وعقلانيَّةً ، كلما قلَّ سلطان
التخييلات وتأثيرها .. ولكن غالبية الأذهان ليست كذلك .
|