kk

التبيان الرابع: خلاصة القول 

الزوبعة المفتعلة التى أُثيرت بسبب العرض المؤقت لنسخة من الترجمة العربيَّة الأولى من كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون) بمتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندريَّة ، تُعَدَّ حالةً نموذجيَّة للمعالجة العشوائيَّة والتناول الغوغائى للوقائع .. وها هى التفاصيل :
يوم 17/11/2003 نشرت صحيفة قاهريَّة خبراً كاذباً ملخَّصه أنَّ كتابَ (البروتوكولات) معروضٌ بصدر مُتحف المخطوطات فى فاترينة الكتب السماويَّة بجوار (التوراة) وادَّعت الصِّحافيَّة التى نشرت الخبر الكاذب ، أنها سألتنى عن السبب فى وضع (البروتوكولات) مع الكتب السماوية ، وتحديداً بجوار التوراة ، وأننَّى قلت لها : البروتوكولات أهمُّ من التوراة ! ولم تنس الصحيفة أن تضع مع الخبر صورةً ، لا لمتحف المخطوطات ، وإنما لبعض حاخامات اليهود! ومن هنا .. بدأ تجلِّى الغوغائيَّةُ والعشوائيَّةُ ، بل وسوءُ القصد والنيَّة .
العجيب فى الأمر ، أنَّ الصحافيَّة ذاتها ، وهى التى تعلم أنَّ الكتابَ لم يوضع يوماً بجوار التوراة، تابعت ذلك التهييج العشوائى ، الغوغائى، سيئ القصد والنيَّة .. فنشرت تغطيةً أخرى للموضوع نفسه يوم 15/12/ 2003 وأرفقت هذه المرَّة صورةَ كتاب (البروتوكولات) فى الفاترينة التى كان معروضاً بها، فلم ينتبه أحدٌ إلى أن الصحافية دون أن تدرى ، تُكذِّب نفسها بنفسها ! إذ أن الصورة المنشورة تدلُّ بوضوحٍ على أنَّ الكتاب كان فى فاترينة (الوثائق) لا (الكتب السماويَّة) وأنَّ المعروض مع كتاب (البروتوكولات) هو وثائق: خرائط، حجج شرعيَّة ، وقفيَّات .. إلخ .
والأعجب فى هذا الأمر ، أنَّ بطاقة فاترينة الوثائق تظهر فى الصورة ! وقد ثوَّرت الصحيفةُ بعض الأقلام ضدَّ المكتبة، حين خيَّلت لمجموعة من المثقفين المصريين، أنَّ الكتابَ تم (سحبُه) من مكتبة الإسكندريَّة تحت ضغوط خارجية ! وهو ما أثار غضب أكثرهم ، فصرَّح تصريحاتٍ ناريَّةً ضدَّ المكتبة ، بينما واقع الأمر أنَّ فترة (عرضه) هى التى انتهت، وبالأحرى : أُنهيت قبل موعدها بأيام بسبب الزوبعة الزائفة، وعاد الكتابُ إلى مكانه (مع عدَّة نسخٍ أخرى) فى قاعة الكتب النادرة ، ليكونَ متاحاً للباحثين والدارسين المتخصِّصين ، وليس لعموم المتردِّدين على المكتبة (.. جدير بالذكر أنَّ أى مكتبةٍ كبرى بالعالم ، تحوى عشرات النسخ من الكتاب فى اللغات المختلفة ! ) ولو كانت الصحيفة المصريَّة قد تحرَّت الدقَّة فى الموضوع الذى نشرته أولاً، أو كان المثقَّفون المصريِّون الذين نشرت الصحيفة تصريحاتهم الغاضبة على المكتبة فى المرَّة الثانية ، قد تحرَّوْا الأمر - ولو باتصال تليفونىٍّ مع المكتبة - لما كان شىءٌ من تلك الزوبعة قد افتُعل .
وعلى الجانب الآخر ، فى إسرائيل ، بدأت الصحفُ تنشر الموضوع نقلاً عن الصحيفة المصريَّة . فنشرت جريدتا : يديعوت أحرونوت ، معاريف. يوم 27/11/2003 الأخبار الكاذبة ذاتها ، دون أن تتثبَّتَ منها .. فالتقت الغوغائيَّة والعشوائيَّة هنا ، بمثيلتها هناك ! وكان حَرِيّاً بالصحيفتين الإسرائيليتين – وبالصحف الإسرائيليَّة الأخرى ، التى تابعت بعد ذلك النشر فى الموضوع – أن تكلِّفَ نفسَها اتصالاً واحداً بالمكتبة أو بأحد المسئولين فيها ، ولو بالبريد الإلكترونى ، لتعرفَ أنَّ الأمرَ كلَّه مختلقٌ ومفتعلٌ من بدايته .
ثم يتزايد الإيقاعُ الجنونىُّ للغوغائيَّة والعشوائيَّة وسوء القصد والنيَّة ، مع هذا السيل العارم من مقالات الرفض والتهويل التى نشرتها المواقع اليهودية على شبكة الإنترنت ، فإذا بالأصوات تعلو وتتصاخب ، فتخلط الأوراق وتتفرَّع إلى قضايا أخرى - لإحكام إدانتى ! – فتقول إنَّنى أُنكر (الهولوكوست) لأنَّنى كتبت يوماً أنَّ ضحايا هتلر من اليهود كانوا مليونَ شخصٍ (فقط!) وإنَّنى معادٍ للساميَّة .. ولسوف أعود لمناقشة هذه (القضايا) فى السطور التالية ، ولكن قبل ذلك ، أودُّ تأكيدَ أمرٍ يخصُّ (البروتوكولات) هو باختصار : إنَّ هذا الكتابَ المزيَّف أضرَّ بالعرب كثيراً ، ونفع كثيراً الإسرائيليين . فقد أعطى الكتابُ للوعى العربى صورةً مزيَّفة عن اليهود ، مالبث أن أدمنَها الناسُ وغابت عنهم الصورة الحقيقيَّة للمجتمع الإسرائيلى المجاور ، ذلك المجتمع الذى يقيم مع الغرب العلاقات، ويبنى المفاعلات الذريَّة فى ديمونة .. يبكى سويعةً على ماضيه الحزين، ويعمل ساعاتٍ فى بناء المستقبل بوداى السيليكون المسمَّى هناك (وادى الفلافل) الذى يتم فيه تطوير البرمجيَّات ومعدَّات الكمبيوتر .. وعلى الجانب الآخر، ظلَّ كتاب (البروتوكولات) دوماً ، مُسَوِّغاً للانتحاب اليهودى الأبدى وحجةً قويَّة تبرِّر التباكى والرثاء للذات ، وتؤكد اضطهادَهم على مرِّ العصور .
أمَّا الرأىُّ العلمى فى مسألة تزييف (البروتوكولات) وعدم صحَّته ، فقد استقر بعد دراساتٍ مطوَّلة إلى أنَّه وثيقةٌ مزوَّرة استفاد كاتبها من كتيِّبٍ فرنسى كتبه صِحافىٌّ يدعى موريس جولى يسخر فيه من نابليون الثالث، عنوانه: حوار فى الجحيم بين ميكافيللى ومونتسكيو . وهناك اقتباسات مباشرة – بل وحرفيَّة- من هذا الكتاب الساخر ، موجودة بنصِّها فى البروتوكولات. ثم شاعت البروتوكولات بإيعازٍ من البوليس السرى الروسى، لتخويف الروس من اليهود ودفعهم للالتفاف حول القيصر . وقد استقصى د. عبد الوهَّاب المسيرى مناقشةَ الأمر فى موسوعته اليهوديَّة – التى شاركتُ فيها بقلمى قبل سنوات – وقد انتهى من مناقشة الموضوع إلى ما نصُّه : والإشارة إلى البروتوكولات واستخدامها فى الإعلام المضاد للصهيونيَّة ، أمرٌ غير أخلاقى ، لأنها وثيقة مزوَّرة، ولا توجد دراسة علميَّة واحدة (سواء بالعربيَّة أو بغيرها من اللغات) تثبت أنَّها وثيقة صحيحة. وفى مقالة د. المسيرى بالموسوعة فوائدُ كثيرة، وقد استأذنتُه فى نشرها كاملةً هنا، وهى واردة فى ملحق هذا (التبيان) مع بقيَّة الملاحق .
ونأتى الآن لمسألة (الهولوكست) التى أُقحمت عَنْوةً فى سياق هذه الزوبعة الزائفة .. وقد أُقحمت (عَنْوةً) وليس (مصادفةً) فقد تم إدخالها فى الموضوع، بتعمُّدٍ واضح، من عشرات المواقع اليهودية على الإنترنت ، لتأكيد اتهامى بمعاداة الساميَّة ، لأنَّنى أُنكر الهولوكوست . ومن ثَمَّ ، فليس مستبعداً علىَّ ، أن أضعَ البروتوكولات بجوار التوراة وأقول إنَّها كتاب سماوى أهمُّ من التوراة !
وهنـا ، لدينا نقطتان للمناقشة ، الأولى معاداة الساميَّة والأخرى الهولوكوست .. فلنبدأ بخرافة (العداء للساميَّة) تلك التهمةُ الجاهزة للانطباقِ على كلِّ من يخالف اليهودَ ، ولو بالرأى :
بحسب ما ورد فى دائرة المعارف البريطانيَّة (الطبعة الإنجليزيَّة لسنة 1966 ، الجزء 2 ص 81، 90 ) ودائرة المعارف الأمريكيَّة (سنة 1983، الجزء 2 ص 74، 75) ودائرة المعارف اليهوديَّة (1992، ص 58- 62) وموسوعة اليهود واليهوديَّة والصهيونيَّة (الجزء الثانى ص 333) وعديد من المصادر الخاصَّة بالمسألة اليهوديَّة والصهيونيَّة .. فإنَّ معاداة الساميَّة Anti- Semitism اصطلاحٌ سياسى حديث أشاعه اليهود لتأكيد شكواهم الأبديَّةَ من اضطهاد الشعوب الأخرى لهم. وقد كان أول مَنْ استخدمه هو الصِحافى اليهودى الألمانى فيلهلم مار فى كتابه الصادر سنة 1879 بعنوان : انتصار اليهوديَّة على الألمانيَّة ، من منظورٍ غير دينى .
والساميَّةُ مفهوم عرقى ينطبق على جماعة بشريَّة ، المفترض أنهم انحدروا من (سام بن نوح) وقد تم تمييز الساميين أولاً على أساس لغوى ، لاعرقى ، وذلك للتفرقة بين اللغات الساميَّة والآريَّة (الهندو / أوروبيَّة) وبالطبع ، فإنَّ العربَ وفقاً لهذا التصنيف للبشر – التصنيف غير العلمى- هم أكثر الأجناس ساميَّةً ، ولا مسوِّغَ للقدح فى ساميَّتهمِ ، بعكس اليهود الذين تُشكِّك الدراساتُ العلميَّة الأنثروبولوجيَّة والتاريخيَّة فى نقائهم العرقى ، وهو الشك الذى تدعمه وقائعُ مثل وجود يهود ينتمون إلى أعراقٍ آسيويَّة (مثل القبيلة الثالثة عشرة) أو زنجيَّة (يهود الفلاشا) .
العجيبَ فى الأمر ، أنَّ دلالة مصطلح العداء للساميَّة صارت تقع فقط على معاداة اليهودِ دون غيرهم ! وهكذا لم يعد لفكرة (الساميَّة) وجودٌ خارج الجماعات اليهوديَّة ، وكأنَّ العربَ ليسوا ساميين ! ولا يخفى هنا ، أنَّ الغرضَ من قصر دلالة المصطلح على اليهود ، مع ما يتضمَّنه ذلك من سخفٍ ومجانبة للموضوعيَّة ، كان لأغراضٍ سياسيَّة وأيديولوجيَّة ، منها جنى أقصى ربحٍ ممكن من إشهار المصطلح – إشهار فى اللغة العربية تعنى : جعل الشئ مشهوراً ، وتعنى أيضاً : رفع السيف فى وجه المخالف – ومنها تجنُّب الوقوع فى تناقض داخلى حين يشبُّ الخلاف مع العرب ، وإلا صارت المسألةُ مجرَّدَ خلافاتٍ عائليَّة لا تستوجب قلق العالم على اليهود ، وهو على كل حال قلق مزعوم يسوِّغ دعم دولة إسرائيل (تلك الواحة الديمقراطيَّة المحاصرة بالبرابرة العرب ! ) مع أنَّ الكلَّ يعرف أنَّ دعمَ الغرب لدولة إسرائيل لايأتى من (القلق على اليهود المحاصرين) وإنَّما يأتى تلبيةً لمصالح غربيَّةٍ فى المنطقة العربيَّة ، أعنى المنطقة التى كانت تُسمَّى (عربيَّةً) ثم صارت تُعرف اليوم بالشرق الأوسط .. ولا معنى لأوسط ، أو أدنى ، أو أقصى ، إلاَّ من زاوية الرؤية الغربيَّة (جغرافيّاً ) .
المهم ، صارت تهمة معاداة الساميَّة ورقةً رابحة بيد متعصبى اليهود ، تُستخدم دوماً بنجاح – وتخيب أحياناً لعدم توفُّر الظروف المساعدة – وجنت منها إسرائيل كثيراً من الفوائد ، ولاتزال تجنى .. بيد أنَّ الإفراطَ فى استخدام هذه (التهمة) سوف يؤدِّى ، لا محالةَ ، إلى فقدان لمستها السحريَّة المؤثِّرة . وقد أفرط اليهودُ فى استخدامِها ، حتى إِنها اليوم فقدت بالفعل كثيراً من فعلها السحرى، وظهرت فى المقابل مصطلحاتٌ مثل : هوس عداء الساميَّة ، المبالغة فى الاتهام بالعداء للساميَّة .. إلخ . وإنَّنى ، كشخص عربى مفترض انتماءه إلى العرق السامى ، أرى أنَّ متعصبى اليهودَ هم أكثر الناس معاداةً للساميَّة نظراً لإفراطهم فى استخدام هذه التهمة الجاهزة للانطباق على مخالفيهم ، ونظراً لأنَّها تنُكر ساميَّتى المفترضة، التى هى صفةٌ موروثة لنا نحن العرب ، وصفةٌ مشكوك فيها بالنسبة لكثير من اليهود .. إنَّ عداءَ هؤلاء اليهود للساميَّة يؤكِّده تحويلُهم الأمرَ إلى تجارة ناجحة ، صارت (الساميَّة) معه استثماراً تجاريّاً وسياسيّاً ، وفقدت معناها اللغوى العرقى والإنسانى . لم يعد لفظ الساميَّةُ دالاً على شىءٍ، إلا فى معرض دفاع الشخص الذى يتهمه اليهود بمعاداتها ، عن نفسه .
وهنا ، أرى من الواجب على اليهود أن يكفَّوا عن استخدام هذه التهمة الممجوجة، لأنَّ التمادىَ فيها أكثرَ من ذلك سوف يقود إلى مواقفَ أكثرَ حرجاً لا مجالَ لإيجاد حلولٍ لها . انظر مثلاً لو جاء يوماً مهووسٌ يهودىٌّ ، أو أحدُ الظرفاءِ من كُتَّاب اليهود ، فطالب بمصادرة القرآن الكريم باعتباره كتاباً معادياً للساميَّة ! وسوف يجد مستنداتٍ كثيرةً من آيات القرآن تؤكِّد العداءَ لليهود ، ومن ثَمَّ ، العداء المزعوم للساميَّة المزعومة .. آيات مثل [وضُربت عليهم الذلَّة والمسكنة ذلك بأنَّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق] سورة البقرة ، آية 61 [فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله] البقرة 79 [وقالوا قلوبنا غُلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون] البقرة 88 [فبما نقضهم ميثاقهم ، لعنَّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية] سورة المائدة ، آية 13 [سمَّاعون للكذب سمَّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه] المائدة آية 41 [وقالت اليهود يد الله مغلولة ، غُلَّتْ أيديهم ولُعنوا بما قالوا] سورة المائدة 64 [لُعن الذين كفروا من بنى إسرائيـل على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون] المائـدة 78 [لتجدنَّ أشد الناس عداوةً للذين آمنوا ، اليهود ] المائدة 82 [مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً، بئس مَثَلُ القوم] سورة الجمعة ، الآية الخامسة .. وهناك عشرات ، بل مئاتٌ ، من الآيات القرآنيَّة التى ورد فيها ذكر اليهود – وقد جمعناها فى ملحقٍ آخر لهذا التبيان – ومنها تلك الآيات التى قد يفاجئنا يوماً أحد المهووسين بأسطورة معاداة الساميَّة فيطالب مستنداً لهذه الآيات (مقتطعةً من سياقها) بما لن يقبله أىُّ مسلم .. ومن ثَمَّ ، يلتهب الصراع بأكثر مما هو ملتهب .
نخرج من ذلك كلِّه ، إلى أنََّ اتهامى بمعاداة الساميَّة كان أمراً سخيفاً فى مجمله وتفصيلاته ، وأنَّ دعوتى للكفِّ عن استخدام هذه التهمة ، هو أمرٌ فى صالح الأطراف كافة .. ولننتقل إلى المسألة الأخرى التى وعدتُ بمناقشتها ، وهى إنكار الهولوكوست:
كتب جابرييل بيتربرج المؤرخ والمفكِّر اليهودىُّ ذو الأصل الأرجنتينى، مقالاً بعنوان المحو Erasures بدأه بأنَّ : هناك ثلاث أساطير مؤسِّسة لإسرائيلَ ، تُشكِّل أساسَ بناء الثقافة الإسرائيليَّة حتى يومنا هذا، هى أساطير:
(1) إنكار المنفى والانتقاص من أهمية الزمن الممتد بين خروج اليهود من فلسطين وعودتهم إليها.
(2) العودة إلى أرض إسرائيل والوعد الإلهى بذلك واعتبار هذه الأرض "خواء" حتى يعودَ إليها اليهود ، ومن ثم فلابدَّ من تطهير أرض المعاد "التى عاد إليها اليهود" من شاغليها – الفلسطينيين- باعتبارهم دخلاء على الأرض بعد عودة أصحابها.
(3) العودة إلى التاريخ ، بمعنى أنَّ اليهودَ فى زمن الشتات كانوا خارج التاريخ ، ولا سبيل للدخول فى تاريخ الإنسانيَّة إلاَّ بالعودة إلى الأرض، فالأرض هى التاريخ بالنسبة لهم .. وهى بالتالى ، محل الإشغال (المؤقت) بالنسبة للعرب الفلسطينيـين !
إلاَّ أنَّنى أرى أنَّ ثمة أسطورةً رابعة ، لاتقلُّ أهميةً فى مجال (التأسيس) لدولة إسرائيل ، هى أسطورة الانتحاب الأبدى على الظلم الذى واجه اليهود عبر العصور . وهى أسطورة أهمُّ ، لأنَّها أقدم وأدوم أثراً فى تشكيل الوجدان اليهودى .. بل هى ضاربةٌ بأعماقها فى التاريخ ، وتم استخدامُها على نطاق واسع خلال القرون السحيقة ، وتجلَّت فى شكاوى اليهود وانتحابهم منذ عريضة الفيلسوف اليهودى فيلون السكندرى التى حاول أن يتلوها على الإمبراطور كاليجولا فقاطعه الأخير وصرفه من بلاطه .. مروراً برسائل الشكوى المريرة التى تبادلها موسى بن ميمون مع يهود اليمن .. وصولاً إلى الإمعان فى إحياء وإعلاء واستخدام الهولوكوست .
كلمة هولوكوست مجلوبةٌ من أصلٍ يونانى يعنى حرفيّاً : إحراقَ القربان بالكامل . وهى تُترجم إلى العبريَّة بلفظ (شواه) وإلى العربية بلفظ (المحرقة) .. ووفقاً لمعجم أكسفورد الكبير OED وقاموس أصول الألفاظ الإنجليزيَّة لإيريك بارتريدج فإنَّ دلالة الكلمة صارت منذ النصف الثانى من القرن العشرين، تقع تحديداً على الإبادة النازيَّة لليهود ، وصار معسكر الاعتقال النازى أوشفيتس Auschwitz علامةً على تلك المحرقة ، التى صارت بدورها علامةً على قمَّة التراجيديا الإنسانيَّة ، حتى إنَّ فيلسوفَ مدرسة فرانكفورت اليهودى الشهير تيودور أدورنو يقول فى عبارة شهيرة له : لاشِعْرَ بعد أوشفيتس .. وهى لعمرى عبارة مؤثرة، شديدة الانفعاليَّة ، وقد ذكَّرتنى فور قرائتى لها أول مرَّةٍ ، بقول الشاعر الفلسطينى محمود درويش فى أنشودته الشعريَّة الرائعة مديح الظلِّ العالى عن إحدى المذابح الفلسطينية ما نصُّه:
صابرا ، تقاطع شارعين على جسد
وصابرا لا أحد
صابرا هويَّةُ عصرنا حتى الأبد !
قلت يوماً ، إنََّ ضحايا النازى من اليهود كانوا مليونَ شخصٍ ، كان ذلك فى مقالة لى ، نُشرت منذ سنواتٍ بعيدة .. واليوم ، تُستخدم هذه المقولة ضدِّى –بضراوةٍ- من جهة اليهود ، لتأكيد هذه التهمة الممجوجة (عداء الساميَّة) التى أوضحتُ فيما سبق أنَّه لامعنى لها ، وسأوضِّحُ الآن رأيى بالتفصيل فى قضية المحرقة ، أو ما اصطُلح على تسميته هولوكست .
تردِّد الدعاياتُ اليهوديَّة على مسامع العالم ، صباحَ مساءَ ، أنَّ عدد ضحايا الهولوكوست الذين أدخلهم هتلر أفران الغاز ، هو ستةُ ملايين يهودى .. وإنْ كان بعض اليهود يقول بعدد أقلَّ ، بل إنَّ يهودا باور مدير قسم بحوث الهولوكوست فى معهد دراسات اليهود فى العصر الحديث (التابع للجامعة العبريَّة) يقول بوضوحٍ إنَّ رقم ستة ملايين لا أساسَ له من الصحَّة ، وإنَّ الرقم الحقيقى أقلُّ من ذلك .
والذى أعتقدُه ، أنَّ القضية ليست فى العدد المختلف عليه ، وإنَّما فى دلالة عمليَّة (الإبادة المنظَّمة) التى هى عملٌ إجرامى بكل المقاييس ، سواء كان عدد القتلى مليوناً واحداً أو ستة ملايين ، ونحن كمسلمين نؤمن بأنَّه، وفقاً لما جاء فى القرآن الكريم ، [مَنْ قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض ، فكأنما قتل الناس جميعاً.. ] (سورة المائدة ، آية 32 ) فالعبرة ليست بالعدد .
ومن ناحيةٍ أخرى ، معروفٌ أنَّ ضحايا محرقة النازىِّ بترتيب الأكثر فالأقلّ ، هم : البولنديون ، السلاف ، اليهود ، الغجر ، العجزة ، المنحرفون جنسياً .. وكان الدور سيأتى حتماً على العرب لو انتصر الألمان فى موقعة (العلمين) بمصر ، وكان العرب حتماً - لكثرتهم العدديَّة- سيتصدَّرون القائمةَ، إذ أن النازيَّةَ لم تكن لتفرِّقُ بين اليهود والعرب .. فكلاهما عند هتلر : سامىٌّ .
جدير بالذكر هنا ، أنَّ اليهودَ (القرَّائين) لم يكونوا عند النازيَّة أهلاً للمحرقة ، بل فكَّرت النازيَّة بجدية فى التعامل معهم، باعتبارهم أهلاً للتعاون مع الجنس الآرى الراقى! .. وجدير بالذكر أيضاً ، أنَّ بعض ضباط النازيَّةِ كانوا يهوداً . وجدير بالذكر كذلك، أنَّ الملك محمد الخامس عاهل المغرب رفض تسليم اليهود للنازى ، فكانت بلاد المغرب مهرباً لهم .. فهل يأتى يوم ، تقوم فيه هوليوود بإنتاج فيلم عن موقفه الإنسانى ، على غرار تحفة ستيفن سبيلبرج السينمائيَّة : قائمة شندلر .
إنَّ الإنسانيَّةَ بائسةٌ ومُبتلاة بعظائم هولوكوست يَشيب لها السامعون ، وقد كان (اليهود) مرَّةً واحدة ، ضمن ضحايا تجلٍّ واحدٍ من تجليَّات هذه الإبادة أو تلك المحرقة .. ومن قبل ذلك ، ومن بعده ، عشرات التجليَّات للهولوكوست القديم والحديث . فمن ذلك: ذَبْحُ هولاكو لمليون وثمانمائة ألف مسلمٍ ببغداد .. أهرامات الجماجم التى بناها تيمور لنك خلال فتوحاته، ليتباهى بكثرة ضحاياه الذين تجاوزا مئات الألوف .. فناء القبائل الهنديَّة على يد المستعمر الأبيض لأمريكا الشماليَّة .. مجازر الصرب ضد المسلمين فى البوسنة .. مجازر كمبوديا .. جرائم صدَّام حسين ضدَّ الأكراد .. أنهار الدم فى أفغانستان.. قتل الجيش الإسرائيلى - يومياً- للفلسطينيين، بما فيهم الأطفال الرُّضَع.
إنَّنى أدعو جيرانَنا الجدد، اليهود، أن يكفُّوا عن التباكى على محرقتهم، فقد مرَّت محرقة النازى من نصف قرن ، وكانت حصيلة (تعويضهم) خلال هذه الفترة وفيرة .. بينما المحارق التى تبيدُنا نحن العرب والمسلمين لا تكاد تتوقَّف طيلةَ الزمان ، وآخرها ما تقوم به اليوم دولة الإسرائيل ضدَّ العرب فى الأرض المحتلة (ولن نعوَّض يوماً عنها) .
والعجيب فى الأمر، أنَّ اليهودَ لم يثأروا لمحرقتهم من المسؤولين عنها، وإنما اكتفوا بتحصيل أموال (التعويض) عنها من ألمانيا، ويقال أنَّ حصيلتها بلغت حتى الآن ما يزيد عن المائة مليار دولار، دفعتها ألمانيا لإسرائيل تكفيراً عن ذنب تلك اللحظة المؤسفة فى التاريخ الألماني المجيد ! واليوم ، يثأر اليهود من الفلسطينيين –والعرب عامة- الذين لايد لهم فيما جرى على يد النازى .. اليوم، تحتفل إسرائيل سنوياً (يوم الرابع من شهر آيار / مايو) بذكرى الهولوكوست ، وفى اليوم التالى مباشرة (الخامس من آيار/ مايو) تحتفل بعيدها القومى : إنشاء الدولة اليهودية فى فلسطين .. فتأمَّل .
وفى المقابل من ذلك، نحن العرب والمسلمين ، لا أحد سيدفع لنا تعويضاً عن المحارق التى التهمتنا قديماً ، وتلتهمنا اليوم.. ولا أحد منَّا سيقبل تعويضاً ماليّاً عن أرواحنا التى أُزهقت سابقاً، وتُزهق اليوم تحت بصر وسمع العالم أجمع، وتتناقلها يوميّاً نشرات الأخبار التلفزيونيَّة .. ولا أحد غيرنا يجرؤ على الكلام.
وعلى الرغم من ذلك كله ، فإن طبيعة العلاقة التاريخيَّة بين اليهود والعرب، كانت تقتضى من (شعب الله المختار) أن يتعاملَ مع العرب- والمصريين خصوصاً- على نحو أفضل كثيراً مما عليه الحال اليوم، ولا أبالغ إن قلتُ إنَّ على اليهود أن يكونوا شاكرين وممتنين لمصر فوفقاً لما يرد فى النصوص الدينيَّة (اليهوديَّة) فإنَّ أرض مصر احتضنت أجدادهم الأولين، قروناً طويلة، ثم عانوا- كغيرهم- من ظلم بعض الفراعين، فسرقوا الذهب من المصريين وهربوا به، ولم يطالبهم أحدٌ به حتى الآن مطالبةً جادة.. ووفقاً لما يرد فى تاريخنا (المشترك) الذى لا سبيل لإنكاره، تمَّ على أرض مصر إحياء اليهوديَّة عدَّة مراتٍ ! ففى العصور السحيقة أُنجزت فى الإسكندرية القديمة الترجمة السبعينية للتوراة، من اللغة العبريَّة التى كانت قد انطمست، إلى اللغة اليونانيَّة التى كانت لغة الثقافة الإنسانيَّة آنذاك ، ولولا هذه الترجمة (الإسكندارنيَّة) لكانت اليهوديَّة قد اضمحلت، وربما اختفت.. ومن هذه الترجمة السبعينيَّة عرف أشهر فيلسوف يهودى قديم (فيلون السكندري) الديانة اليهوديَّة ، وقام بتأويل نصوص التوراة، تلك النصوص التى كانت قد أوشكت على التجمُّد، فنفخ فيها فيلون روح الدلالة، مستنداً إلى التراث الفلسفى الذى تشكَّل فى الإسكندريَّة القديمة وعُرف باسم الأفلاطونية المحدثة ومعروف أنَّ النصوصَ الدينيَّة إن لم تتم لها عمليَّات التأويل والتفتيح الدلالى المتجدِّد، فإنَّها تخبو، ويغدو (الدين) آنذاك مسألة طقسيَّة لا تشارك فى صياغة (ثقافة) مَنْ يؤمنون به.. وقد كان فيلون السكندري يهوديَّ الديانة، يونانيَّ الثقافة، سكندريَّ المولد والمنشأ والإقامة. فجمع فيلون بين ذلك كلِّه فى مزيجٍ فكري، نجحت معه اليهوديَّةُ فى البقاء من بعده قروناً تالية، فكان هذا الفيلسوف السكندرى - بحق - علامةً على طريق اليهوديَّة .. بل اعتبره البعض ، من مقدِّمات المسيحيَّة نظراً لأثره الفكري فى آباء الكنيسة، من أمثال القديس أوريجين السكندري.
وعلى أرض مصر، عاش أهم فيلسوف يهودي في العصور الوسطى: موسى بن ميمون (ميمونديز) الذى فرَّ إلى مصر من الأندلس، فعاش وكتب أعماله كلَّها ونال شهرةً فى عصره، حتى قيل إنَّه موسى الثانى واشتهرت من زمنه عبارةً يهوديَّة تقول: ما جاء منذ موسى حتى موسى مثل موسى ! وكان موسى بن ميمون المصرى الإقامة، مُفكِّراً يهوديَّ الديانة- بل حاخاماً يهودياً- إسلاميَّ المحتوى، حتى إِنَّ بعضَ أساتذتنا فى مجال الفلسفة الإسلاميَّة مثل د. إبراهيم بيومى مدكور كان يعده فيلسوفاً إسلامياً- لا مسلماً- نظراً لقوة تأثير الفكر الإسلامي فى كتاباته ومؤلفاته التى أشهرها كتابه دلالة الحائرين. وقد أحدثت أعمال موسى بن ميمون انتعاشةً كبرى فى التراث اليهودي، فبقى هذا التراث من بعده قروناً تالية.. وما ينطبق على موسى بن ميمون من كونه انعكاساً للفكر الإسلامي فى صورة يهوديَّة، ينطبق أيضاً على الفيلسوف اليهودي البغدادي، الأقل شهرةً ابن كمونة.. وقد كتبنا عنه تلك المقالة الموجزة التى جعلناها (الملحق الثالث) لهذا التبيان.
وفى العصر الحديث، وحتى قيام دولة إسرائيل في فلسطين، كان اليهود آمنين بمصر.. يتوالدون .. يتاجرون.. يكسبون.. يتعلَّمون .. يسافرون .. يشاركون المصريين خير أرضهم. ولم يعرف تاريخنا الحديث حالة استهداف جماعي ، لليهود العرب . حالةً واحدة.
من هذه الزاوية، لا نعتقد أنَّه من قبيل المبالغة أن نقولَ إنَّ على اليهود اليوم أن يكونوا شاكرين وممتنين لمصر خاصةً إنَّ مصرَ كانت أولَ مَنْ فكَّر فى العيش بسلام لكل شعوب المنطقة، بما فى ذلك الإسرائيلية .. واختم هذا (التبيان) بقولى:
إنَّ الأمورَ ينبغي لها أن تسيرَ ، بعكس ما تجرى اليوم به.. فصحيحً أنَّ حرباً اندلعت بيننا لسنوات، ثم انطفى أوارُها ومددنا لهم أيدينا قبل سنوات بالسلام، فكان.. فليكن في الأرض (المجهدة) التى نعيش عليها، السلام.. فثمة أمورٌ إنسانيَّة كثيرة، أهم من التنازع، علينا إنجازها .
ومن زاويتى .. أرى أنَّه لامجال للوصول إلى حَلٍّ بين الفريقين ، إلا بأن يتنازل اليهود عن بعض الأساطير ، وأن يفرِّط العرب فى بعض الوقائع .. فيلتقى الجمعان فى منطقة متوسطة بين الوقائع العربية والأساطير الإسرائيليَّة . والصعوبة هنا ، أن التوجه للمنطقة الوسطى (خطر) من وجهة نظر الفريقين ، فالعرب يروْنَ الحال الواقع هو مستندهم الوحيد لمحاولة (البقاء) المستميتة واليهود يروْنَ التنازل عن الأسطورة هو تخلى عن مستند (العودة) التى ظل اليهودىُّ يحلم بها منذ قرون .. ومع ذلك، فلا مجال للخروج من المأزق ، إلا بالتنازل المطلوب من كل فريق : التنازل الصعب .





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online