kk

القراءات المعاصرة للعقلية العربية

الوهم :

    انتشرت فى العقود الثلاثة الأخيرة ، كتابات معاصرة تنزع نحو (قراءة) العقلية العربية / الإسلامية ، وإطلاق الأحكام النظرية التى تزعم لنفسها القدرة على الإحاطة بتطور العقل العربى عبر تاريخ عطائه الطويل.. وقد صنَّفوا فى قراءاتهم تصنيفات ، وذهبوا مذاهب طنَّانة رنانة! فبعضهم يرى أن العقلية العربية تنازعتها منازع : العقل البرهانى ، العقل البيانى ، العقل العرفانى.. بيد أن (العقلين) الأخيرين ، هما اللذان سادا.
    وبعضهم يرى أن (الفلسفة الوجودية) ظهرت عند العرب المسلمين، فى القرون الأولى للهجرة ، عند بعض المفكرين من أمثال التوحيدى.. أو أن (القبيلة) و (الغنيمة) كانا دوماً هما المحرِّكان الأساسيان للتاريخ.. أو أن التصوف كان بمثابة رد فعل مباشر على القهر السياسى.
    وهكذا تطفر (القراءات) فى واقعنا الثقافى المعاصر ، وتتوالى.. ثم يسيل مداد الأقلام فى مناقشات لها ، لاتكاد تنتهى.

الواقع

    لسنا هنا بصدد مناقشة كل (قراءةٍ) على حدة ، ولكننا نضع سؤالاً صغيراً: إذا كان التراث العربى لم يزل فى أغلبه مخطوطاً ، والمنشور منه لايتعدى سبعة بالمائة من مجمل هذا التراث.. فماذا يقرأ القارئون ؟
    إنهم يعكفون على عمليات التنظير التى تعتمد على المشهور والمتداول من التراث - وهو جانب ضئيل منه - ثم يعمِّمون الأحكام على التراث كله ، وعلى العقلية العربية / الإسلامية فى عمومها.
    فكيف يصحُّ ذلك.. وكيف يستقيم تقسيم العقل إلى (برهانى ، عرفانى، بيانى) والإنتاج الفكرى العربى يجتمع فيه ذلك ، انظر مثلاً إلى منظومة فى الطب (مثل ألفية ابن سينا) ولسوف تجد فيها أولاً الحمدلة العرفانية ، ثم المعالجات البرهانية.. ولسوف تجد (العرفانية) فى قصيدة ابن سينا ، الأخرى ، فى النفس.. وهى القصيدة التى مطلعها :
    هبطت إليك من المحل الأرفع         ورقاء ذات تعزُّزٍ وتمنع
   .. وانظر فى تراث (جابر بن حيان) ولسوف تجد هذه (العقول) الثلاثة المزعومة ، متضافرة فى ذهنه.. فهو (برهانى) بالإجماع، ولكنه أيضاً (بيانى) بحكم أسلوبه اللغوى الخاص.. وهو أيضاً (عرفانى) بحكم قوله بصحة الاستدلال بأقوال الأئمة المعصومين من الخطا! وبحكم لقبه الشهير : الصوفى.
    وهكذا يظهر لنا ، أن القراءات المعاصرة للعقلية العربية ، أنما تقرأ ماهو مكتوب فى ذهن صاحب القراءة ، وتعتمد على هدف منشور ومتاح بين يديه.
    فلنتأمَّل.





حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2008 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online