kk

فى ما العشق

عبيد الله بن بختيشوع : الروضة الطبية .


إن هذا المرض قد اختلف فيه المتقدمون و ذلك أن بعضهم قالوا : إنه يختص بالنفس الناطقة، وهو فساد التخيل والفكر وبعضهم قالوا : إنه يختص بالنفس البهيمية، وهو مرض يعرض لها من قبل إفراط الشهوة . ومنهم من جمع الأمرين جميعاً وأضاف إليها المشاكلة والمشابهة ، وزعموا أن هذا لا يكون إلاّ بمُشاكلة روحانية وجسمانية ودقّقوا فى هذا ، حتى حدُّوا الأعضاء التى إذا تشابهت ، كان هذا الشأن قوياً . قال ثامسطس وهو يحييى النحوى: العشق مُشاكلة روحانية ، كالمُشاكلة من حجر المغنطيس و الحديد . وقال مسقسار الهندى: العشق ارتياح يجول فى الفكر ويخالط الروح ، فلكىُّ تفتحه النجوم بقدر مطالع أشعّتها. وتولّده النفوس بوصل أشكالها ، وتعلّمه الأوهام بلطف خواطرها ، وهو مع ذلك جلاء للعقول وصفاء للأذهان ما لم يُفرط فيه ، فإذا أُفرط صار سقماً قاتلاً لا تنجع فيه الحيل و لا تنفذ فيه الآراء ، و العلاج منه زيادة فيه . وقال أرسطاطاليس : إذا تقادحت جواهر النفوس المتعاطفة بوصل المؤانسة ، أحدثت التحام نورٌ ساطع فى عال العلوّ لتستضئ به جواهر النفوس المتعاطفة ، فيَقهرُ من إشراقه طبائعَ الحياة فيَحدثُ من ذلك الالتحام نورٌ ساطع بذاتها وطبيعتها ، يُسمى ودًّا .. فهؤلاء مُجمعون على أنه مُشاكلة بين النفوس و الأبدان ، وأرسطو أشار أيضاًً إلى النفس الناطقة تلقى المؤانسة بين النفوس الحيوانية حتى تستحكم الألفة .

ونرى التعشُّق يختص بالنفس البُهيمية أكثر ، و ذلك أن أكثر ما يعرض عند اشتياق هذه النفوس إلى الاجتماع البهيمى كما يعرض للبهائم أيضاً ، ونرى القلب الذى هو معدن الروح الحيوانى ينزعج عند التحرك لهذا الشأن كأنه مرض على القلب . 

والعشق هو إفراط الشهوة التى تدعو إلى المؤانسة و الاجتماع البهيمى ، إذ كان هذا الاجتماع مخصوصاً بالحيوان جميعه ، حتى نرى كل نوع منه يأنس بشكله و بنوعه أو ما قارنه . فإذا تمكن المرض من القلب شاركه الدماغ فيه بما بينهما من الاشتباكات و الآلات التى هى من العروق الضوارب والعصاب ، فإذا ارتقت الروح الحيوانية إلى الدماغ وجالت فيه ، أفسدت فيه التخيل والفكر بما اكتسبته من القلب ، الذى هو معدن وينبوع لها، وأمالتهما إلى المحبوب الذى قد اتحد بالقلب ، فنرى التخيل منصرفاً إلى أشكاله والفكر مسدَّداً نحو منافعه و مرضاته و صلاح شأنه ، دون النظر فى أحوال نفسه و صلاح أمورها حتى أنه يصل فى متصرِّفات تدبيره إلى أن يمنع فكرته فى شئ من مصالح نفسه و يتجاوز فكرته فى تفقُّد أمور معشوقه ، حتى أنه يعرض لأكثرهم الحيرة و الخبل ، ويسوقه عشقه إلى إذهاب الجاه و المال . 
فقد بان أن العشق هو تجاوز الحدّ فى المحبة ، وأنه شرهٌ . وإذا كان كذلك ، فليس هو طبيعياً بل عرضى . وخاصةً لمن هو شبِقٌ فى الناس ، فإن أكثر أغراضه طلب الجماع لأجل أنَّ هذه الشهوة الحيوانية أقوى ملاذ النفس الشهوانية ، وجُعل ذلك من أجل التناسل.

وقال والدى جبرائيل فى كتابه الكبير المعروف بالكافى عند كلامه على هذا العارض وتقسيمه إيّاه إلى فصوله المحمودة و المذمومة : إن العشق يعرض كثيراً عند النظر إلى الأجسام الحسنة إذا هاجت الشهوة و زاد الشوق إلى الاجتماع معها ، و هذا الاجتماع من أجلِّ الأعراض التى تُعلُّ البدن و تنحله و تلقيه إلى أمراض مهلكة ، و هذا الخُلق من الأخلاق الناطقة ، وذلك أنه يجمع الأغراض الرديئة جميعاً من غمٍّ و أسف وركوب الهوان من المهالك، وأقبح ما لهذا الخُلق أنه يدعو النفس الناطقة إلى أن تخضع و تُذل للنفس البهيمية ، ويملِّك على السيد النبيل العبدَ المُهين .
ومن أفعاله أنه يُلقى إلى أمراض كثيرة ، وهو أخبث الأخلاق لأنه يطمع فى اللذة ويحصل المبتلى به فى أنواع العذاب ، وهو يحطُّ النفس و يُعميها لأنه يعمى فكرته ، إلى أن يحطه عن مرتبته الموهوبة له التى يشارك فيها الملائكة إلى المرتبة الخنـزيرية لغلبة الشهوة بالنهم والشره ، على النفس الناطقة ، فتصيّرها عبدة لها . كالملك العظيم ، إذا صار ذليلاً بين يدى العبد المُهين .






حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2010 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online