العِشق .. بالكسر إفراطُ الحب أو عجبُ المحب
بالمحبوب . وقال أرسطو : هو عَمَى القلوب عن عيوب المحبوب . وقال الشيخ الأكبر
فى الفتوحات المكية : هو ما يحوز من العشق ، وهى اللبلابة التى تلتف على شجرة
العنب وأمثالها ، فهو يلتف بقلب المحب حتى يعميه عن النظر إلى غير محبوبه .
وقال الشيخ : هو مرضٌ وسواسى شبيهٌ بالمالينخوليا لجلبه الإنسان إلى نفسه
بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل التى له ، ثم أعانه على ذلك شهوته
أو لم تُعِن ، انتهى .
قال بعض الحكماء : هو طمعٌ يتولد فى القلب ، ويتحرك وينمو
مع حرصٍ ، وكلما قوى ازداد صاحبه فى الإحياج واللحاج والتمادى فى الطمع والحرص
على الطلب ؛ حتى يؤدى ذلك إلى الغمِّ والسَّهر ، وعند ذلك يحرق الدم وتلتهب
الصفراء ، ويستحيلا إلى السوداء. وهى مفسدةٌ للفكر ، منقصةٌ للعقل ، موجبةٌ
لرجاء ما لا يكون وتمنِّى ما لا يتم ، مؤديةٌ إلى الجنون . وحينئذٍ ربما قتل
العاشقُ نفسه ، وربما مات غماً ، وربما نظر إلى معشوقه فمات فرحاً ، وربما شهق
شهقة ، ففاضت فيها روحه . وقال بعضهم : إذا تمكن العشق بالقلب وقوى سلطانه صرع
صاحبَه كالذى يُصرع من مسِّ الجنِّ ، فإذا مرَّ به الجنُّ سألوا عنه ، فيقال
لهم مسَّهُ الإنس . أصله غالباً النفس ، لأن الإنسان مركبٌ من العقل وهو
الأمَّار بالخير وقائده العدل ، ومن النفس وهى الأمارة بالسوء ، وقائدتها
الشهوة . وهما شيئان عظيمان فى الإنسان ، ولا يتفقان أبداً . فإن غلب العقلُ
النفسَ سَلِم الإنسانُ من شر الشيطان ، وإن غلبت النفسُ العقلَ عميت البصيرة ،
ودفع الإنسان فى الحيرة . وقال بعضهم : تحقيق العشق أنه ليس هو الحسن والجمال،
وإنما هو تشاكل النفوس وممازجتها فى الطباع المخلوقة .قال الشاعر :
وما الحبُ من حسن وٍلا من سماحةٍ
ولكنه
شئٌ به الـروحُ
تـكلفُ وهذا
العشق هو الكائن فى النفوس عن الأعين ، وأما الرسوم الظاهرة المرئية ، فهى
الاجتماع والمحادثة والقبلة والجماع . فإن كان العشق بالمشاكلة زاد بالقِدَم
وثبتَ وتمكَّن . وإن لم يكن بالمشاكلة فهو عَرَض ، والأعراض زائلة ، ومثل هذا
يزول بسرعة ؛ إذ الأصل بالمشاكلة له ، وفى منازل الأحباب عن أبى الهذيل
العلاَّف قال : لا يجوز فى دور الفلك ولا فى تركيب الطباع ولا فى القياس ولا فى
الحسِّ ولا فى الواجب ولا فى الممكن ؛ أن يكون محبٌ ليس لمحبوبه إليه ميل ،
انتهى . ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم : الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف
منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف . ويشهد له أيضاً أنك لا تجد اثنين يتحابان
، إلا وبينهما مشاكلة واتفاق فى بعض الصفات ، ولهذا اغتمَّ بعض الحكماء حين وصف
له رجل من أهل النقض أنه يجد ، وقال ما أحبنى إلا وقد وافقنى فى بعض أخلاقه .
قال بعضهم : وسببه النفسانى الاستحسانُ والفكر ، وسببه البدنى ارتفاعُ البخار
إلى الدماغ . قال الشيخ : وعلامته غؤور العين ويبُسها وعدم الدمع ، إلا عند
السكاكى وحركته متصلبة للجفن ضحاكه ، كأنه ينظر إلى شئ لذيذ ، أو يسمع خبراً
ساراً ، أو يمزح ، ويكون نَفَسُه كثيرَ الانقطاع والاسترداد ، فيكون كثيرَ
الصُّعداء . ويتغير حاله إلى فرحٍ وضحك ، أو إلى غمٍّ وبكاء عند سماع الغزل ،
لا سيما عند ذكر الهجر والنَّوى ، ويكون جميع أعضائه زائلة سوى العين ، فإنها
تكون سمينة ، ولا يكون لشمائله نظام ، ويكون نبضه مختلفاً بلا نظام ، ويتغير
نبضُه وحالُه عند ذكر المعشوق ، وخاصةً عند لقائه. ويمكن من ذلك أن يستدل عليه
إذا لم يكن معروفاً ، فإن معرفته أحد سبل علاجه . والحيلة فى ذلك أن تذكر أسماءً
كثيرة مراراً متعددة ، وتكون اليدُ على نبضه ، فإذا اختلف اختلافاً كثيراً وصار
كالمتقطع عند ذكر اسمٍ منها، علمت أنه اسمُ المعشوق . ثم تذكر أيضاً الشكل
والمساكن والحرف والصناعات والنسب والبلدان ، وتضيف كلاً منه إلى اسم المعشوق ،
فإذا تغير عليك النبضُ عند ذكر شئ منها عرفته ، فإنا قد جرَّبنا هذا . ثم إن لم
تجد علاجاً إلا تدبير الجمع بينهما على تحلَّة التشريع ؛ فعلت ، فإنا رأينا من
عاودته السلامة وكان قد بلغ الذبول لشدة العشق لما أحسَّ بوصلٍ من معشوقه
معاودة فى أقصر مدة قضينا بها العجب العجاب . واستدللنا على طاعة الطبيعة
للأوهام النفسانية ، انتهى ملخصاً . وعلاجه استعمال ما يُخرج السوداء ، وما
يرطب وينوِّم من الأغذية والأشربة ، وبالجملة فلا شئ كالوصال ، فإذا لم يتفق
على الوجه الشرعي فيحتال فى تَعَشُّقِ غير المعشوق ممن تحلُّه الشريعة . وإن
كان العاشق من العقلاء نفعته النصيحة والعظة . والاستهزاء به والتصوير لديه أن
ما به ضرب من الجنون والوسواس ، فإن الكلام فى مثل هذا الباب ينفع نفعاً عظيماً
.
خاتمة .. قال بعضهم : العشق مبتداه يصفِّى الهم ويهذِّب
العقل . وهذا هو الممدوح الذى نصَّ عليه ذو الرياستين فى قوله لأصحابه : اعشقوا
ولا تفعلوا حراماً ، فإن عشق الحلال يطلق اللسان العيَّ ويدفع التبلد ، ويسخّى
البخيل ، ويبعث على النظام ، ويدعو إلى الزكاء ، وإلى علو الهمة . وقيل لبعض
الحكماء إن ابنك عشق ، فقال : الحمد لله ، الآن رقَّت حواشيه ، ولطفت مبانيه ،
وملحت إشاراته ، وظرفت حركاته ، وحسنت عباراته ،وجادت رسائله ، وحلت شمائله،
فواظب على المليح ، واجتنب القبيح ، انتهى .
وقد أطلنا القول على هذا المعنى فى كتابنا المسمَّى بمشتاق
العُشّاق من أسواق الأشواق . والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب ،
وعليه توكلي واعتمادى ، وهو حسبي وكفى .
|