kk

ديوان النُّباحــى

    لماذا نتصور الماضى عابساً متجهماً ، ونتخيل أعلام التراث وكأنهم تجسيدٌ للهم والغم ؟! ذلك هو السؤال الذى طاف بذهنى وأنا أقرأ كتاب الدكتورحامد طاهر .. يجمع الدكتور حامد طاهر بين الدرس العلمى المتخصِّص فى الفلسفة وبين النزوعِ الأدبى المتمثل فى عدة دواوين شعرية صدرت له - فى صمتٍ- طيلة السنوات الماضية .. لكن المفارقة الكبرى تكمُن فى كتابه ديوان النُّباحى الذى صدر عن مكتبة الآداب بالقاهرة قبل ثلاثة أعوام ، ولم يشعر به أحد ! ووجه المفارقة أن الدكتور حامد طاهر بصفته أستاذاً بكلية دار العلوم ، بل وكيلاً لها (وهو اليوم : نائب رئيس جامعة القاهرة) من المفترض فيه أن يكونَ جادّاً متجهماً .. ولا أدرى السبب فى هذا الإفتراض، وإنما جرت العادة ألا يخرج من دار العلوم - تلك القلعة العلمية الرصينة - إلا ما هو جادٌّ رصين ، وبحوث الدكتور حامد طاهر وأعماله الأخرى تؤكدهذا الأفتراض.. لكن ديوان النُّباحى يطيح به .
    هذا الكتاب من أمتع الكُتب التى قرأتُها .. وإمتاعه يقوم على كم الفكاهة والسخرية التى احتواها .. فهو تحقيقٌ ودراسةٌ لديوانٍ (متخيلٍ) من التراث العربى القديم ، لشخصيةٍ شعرية (متخيلة) اعتمد المحقِّق فى دراستها على مراجع (متخيلة) ! والكتاب يضمُّ أشعاراً وُضعت على لسان النُّباحى ، كلها فكاهة وسخرية من واقعنا وماضينا ، وهى سخريةٌ رفيعةٌ من دون ابتذال .. لننظر أولاً فى الدراسة ، ثم نذكر طرفاً من الأشعار :
    يعرِّف (المحقِّقُ) الشاعرَ فيقول : هو أبو مرزوق عبد الله بن ابراهيم النُّباحى - نسبةً إلى نباح بضم النون - وينتهى نسبه إلى آدم علـيه السـلام ! والمؤرخون مختلفون فى تاريخ مولده ووفاته ، فصاحب كتاب (طبقات الفحول والحلاليف) يورد خبراً عن النُّباحى سنة 444 ولكن صاحب (العقود والأقراط) يؤكِّد أن وفاته إنما تقع بين سنتى 666 هجرية و999 هجرية .. وفى إشارة خاطفة وردت فى كتابٍ مجهول المؤلِّف وغير محدَّدِ العنوان : أنه فى سنة 888 حدثت مجاعة نَفَق فيها عددٌ كبير من الحمير ، ومات بها خلقٌ كثير من البشر منهم النواحى (كذا) .. ويروى أبو بكر الحانوتى فى (وفيات الأموات) .. إلخ .
    ومن مراجع الدراسة: الوجيعة فى الكيد والوقيعة - القطائف فى عصر ملوك الطرائف -إبعاد النقص عن أهل الرقص- تاريخ الشك فى الأدب العربى (صدر عن دار الحيران)- فرحة المجالس بمصير الأشاوس .. وهكذا تتوالى المراجع المتخيَّلة فى هوامش الصفحات ، كما يتوالى التعريف بالأعلام من أمثال : رمح الدولة الشمخانى- أبو بكر الصرماح .. إلخ . ومن قصائد الديوان تقابلنا هذه القصيدة التى يصف فيها النُّباحى زوجته الأولى :
جدائل يُفنى المشط فى خصلاتها     ويجمعها المنديــلُ حين تُهــــدَّلُ
وعند مسيلِ الخدِّ حرقٌ من الصِّبا    وخلفِ شحام الأذن يظهر دمَّلُ
كتبتُ لها يوماً خطــاباً فمزَّقَتْ      خطابـى وقد يجفو الجميلُ ويثقلُ
فقلتُ لها والروحُ فى الحلق:إننى    سئمتُ وصدرى فى الشدائد يسعلُ
تزوَّجتـُـها فلم أعـرف الـــهـنـا    وهل يهنـأ الملدوغُ والسمُّ يعمـلُ
وقال النُّباحى يبكى الأطلالَ ويتذكَّر حبيبتّه عُنيزه :
    الليلُ يطفحُ بالضجـــــر         والسحب تعتصر القمـــــر
    ويقول صحبى: ما الذى         تــجنيه من هذا السهـــر ؟
    أنا عاشقُ هـــذا المـــكانِ     وما علـــيه من الأثــــــــر
    هذى بقايــا أكـــلُهــــم         هذى المباول والبــــعـــــر
    ولـــــربمَّا تركــوا هـــــنا     أو ها هنا بعضَ الإبـــــــر
    كانت عُنيزة لا تخيـــــط         وكيف تبصر من عــــور..
وقال قبل وفاته بأيام :
    أحسُّ وَقْــــــعَ النهايـــة        يطوى فصول الرواية
    وعن قريبٍ ستهــــــوى         من الـمعاقل رايـــــة
    وربـما قــــــال قـــــومٌ         قد عاش من غير غاية
    وربمــــا قـــــال قــــومٌ         قضى شهيد الغـــواية
    دع الجميــــــعَ وأسرع             فالشاى فى الغلايـــة
    .. وهكذا تتوالى القصائد الهزلية ، سليمة الوزن والإيقاع ، لتعكس روحاً ساخرةً هازئةً بالتجهُّم المفتعل وبأحوال الزمان الحالى ، من خلال إسقاطاتٍ كثيرة يضيق المقام هنا عن ذكرها .. لكن المهم فى الأمر ، أن الديوانَ - إجمالاً- يدعونا لمعاودة النظر من هذه النظرةِ الخيالية للتراث ، أعنى تلك النظرة التى لا ترى فيه غير التجهُّم والصرامة ، مع أنَّ تراثنا حافلٌ بالفكاهة بنفس القدر الذى يحفل بالجدية .. وبإمعان النظر قد يتَّضح أنَّ الفكاهةَ ذاتها عملٌ جاد ! لكننا نظرنا فى التراث بعيون الحاضر وأحواله المتجهمة ، فرأيناه متجهَّماً .. وبدون سندٍ من الحقيقة جمعنا بين الجدية والتجهُّم ؛ ونسينا أن الإنسانَ هو الكائنُ الوحيد الذى يضحك .

kk






حقوق النشر محفوظة ( 1999- 2010 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online