kk

هيباتيا ونسطور وابن رشد
وأخطاء بالجملة !

أدهشتنى المقالة (العجيبة) التى نشرتها مجلة الهلال للدكتور مراد وهبة (عدد يناير الماضى) تحت عنوان : الفلسفة فى شمال أفريقيا ! وبعدما أدهشتنى المقالة .. أفزعتنى ، ولسوف أشير فيما يلى لأسباب الدهشة والفزع .

أما المدهشات فأولها (العنوان) الذى لاينطبق على الموضوع ، فنحن نقول (شمال أفريقيا) اصطلاحاً ، لنقصد دول المغرب العربى تحديداً . غير أن المقالة فى معظمها تتحدث عن الفلسفة فى مصر ، تاريخها وواقعها المعاصر . ولانبالغ إذا قلنا إن تسعين بالمائة من المقالة يختص بمصر وحدها ، وقد أشير خلالها إلى بعض الجهود الفلسفية المغاربية ، من باب سد الذرائع وتبرير (العنوان) الذى لم تنجح المقالة فى تبريره .

ومن المدهشات، أن المقالة هى بحسب ما يقول مؤلفها : ترجمة عربية لبحث كتبه المؤلف باللغة الإنجليزية بناء على طلب من الناشر الإنجليزى الشهير (بازل بلاكويل) فى عام 2002 لكى ينشر مع بحوث أخرى فى مجلد ضخم تحت عنوان (الفلسفة الأفريقية) وقد صدر عام 2004 . أى أن المقالة منشورةٌ مرتين ، باللغتين ! وكاتبها أستاذ فلسفة مشهور فى مصر .. وكل أساتذة الفلسفة فى مصر يعرفون أن مصطلح (الفلسفة الأفريقية) هذا ، لا يمكن أن يشمل الجهود الفلسفية التى قدمتها مصر قديماً وحديثاً ، لا لشئ إلا لضخامة هذه الجهود وتميزها ، بما يكفى لإفرادها عن ما يسمونه هم (الفلسفة الأفريقية) أو ما يريدون أن يسمونه بذلك .


أصول الفلسفة

وآخر (المدهشات) قبل الكلام عن (المزعجات) فى مقالة د. مراد وهبة ، أنها تبدأ استعراض تاريخ الفلسفة فى مصر بالكلام عن (هيباتيا) التى قُتلت بالإسكندرية سنة 415 ميلادية .. وهذا مدهشٌ جداً ! فدارسو الفلسفة ، الصغار منهم والكبار ، يعرفون أن بدايات الفلسفة فى مصر تعود إلى ما قبل (هيباتيا) بزمن طويل ، بل إننى أؤكد من جانبى أنها ابتدأت قبل الفلسفة اليونانية ذاتها .. وإلا ، فما دلالة أن ثلاثة من أكبر الأسماء فى تاريخ الفكر الفلسفى اليونانى ، ارتبطوا فى بدايتهم بمصر ! أول فلاسفة اليونان (طاليس) الذى اشتهر بقوله إن الوجود بدأ من الماء ، جاء فى بداية حياته إلى مصر وتعلم فيها ثم عاد إلى بلاد اليونان ليقول قولته المشهورة ويدلل عليها بأن دلتا النيل ، شاهد على أن الوجود بدأ من الماء، لأن المستنقعات هناك تجف يوماً من بعد يوم وعاماً من بعد عام ، فتظهر الأرض ! هذا ما قاله هناك فصار (أول فلاسفة اليونان) وهذا ، ذاته ، هو ما كان يردِّده الأطفال فى مدارس مصر القديمة ، وتظهره فى العقائد المصرية المبكرة التى تصورت الإله (رع) على صورة الشمس المجنحة التى تسطع فوق المياه فتُخرج الأرضُ من تحتها .. وهذا أيضاً ما بدأت به (التوراة) التى تقول الآيات الأولى من أول أسفارها (سفر التكوين) ما نصه : فى البدء خلق الله السماوات والأرض ، وكانت الأرض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر (الماء) ظلمة ، وروح الله يرف على وجه المياه .

أما ثانى الفلاسفة اليونانيين الأكثر شهرة ، فهو فيثاغورس الذى ذكر فى كتبه أنه جاء إلى مصر ودرس على يد كهنة آمون ، وأنه دخل بمساعدتهم إلى الهرم الأكبر (خوفو) من سرداب سرى تحت الأرض .. ثم عاد فيثاغورس إلى بلاده ليصير أول فيسلوف رياضى هناك ، ويضع مذهبه البديع الذى طاردته اليونان وطردته من (ساموس) اليونانية ، فاستقر المذهب الفيثاغورى فى (الإسكندرية) المصرية ، وظل هناك مئات السنين حتى انتهى مع مقتل هيباتيا .

وأفلاطون هو ثالث الأسماء الثلاثة الكبيرة فى الفلسفة اليونانية ، وهو الذى قال إنه جاء إلى مصر ودرس على يد كهنة آمون (أيضاً) واستدل على أقواله بأشياء كثيرة ، وحين لم يجد دليلاً على قوله بوجود قارة (اطلانتس) التى غرقت فى الأزمنة السحيقة بالبحر المحيط ، صرح بأنه سمع ذلك من كهنة آمون بمصر ! .. وبالتالى ، فأصول الفلسفة اليونانية ، يعود كثيرٌ منها إلى مصر .
 

الفلسفة المصرية

ولكن ، ما علينا من (الأصول) ولنفترض أن الفلسفة بدأت فى اليونان .. فهل سيلغى ذلك أن الفلسفة اليونانية المتأخرة وأشهر مذاهبها (الأفلاطونية المحدثة) كان سكندرياً خالصاً . وهل يمكن إنكار الأسماء الفلسفية الكبرى التى عاشت على أرض مصر قبل هيباتيا بمئات السنين . وهل يمكن التأريخ للفلسفة فى مصر ، أو فى أفريقيا ، أو فى العالم كله ، دون الوقوف أمثال هؤلاء : فيلون (السكندرى) الذى أعاد بناء اليهودية على قاعدة التأويل الرمزى للتوراة .. أمونيوس ساكاس (الحمَّال الآمونى) الذى تخرج على يديه فى الإسكندرية أهم فلاسفة العالم القديم ومفكريه .. أفلوطين (الصعيدى) الذى أحيا فلسفة أفلاطون وبعثها فى هيئة روحية جديدة .. وغير هؤلاء كثيرون من الفلاسفة الذين عاشوا على أرض مصر ، وتظهر هيباتيا (الجميلة) بجانبهم كطفلة صغيرة .

إذن ، كان من (المدهش) أن تبدأ المقالة بما بدأت به !
ويبقى من بعد ذلك (المزعج) فى كلام د. مراد وهبة ، وهو ما يقتضى النظر فى نص المقالة .. أو نكتفى بما ورد فى الصفحة الأولى (فقط) منها ، لنرى العجب العجاب . يقول المؤلف فى مقالته ، ما نصُّه :

فى كتابه المعنون "صعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية" يتحدث جيبون عن النهاية المأسوية للفيلسوفة المصرية " هيباتيا" . يقول إنها كانت تعلِّم الفلسفة اليونانية فارتأت أن ليس ثمة تناقض (الصواب : تناقضاً) بين الأفلاطونية الجديدة والمسيحية ، ولهذا تبنت (يقصد : هيباتيا) نظرية "نسطور" فى أن المسيح له طبيعتان ، طبيعة إلهية وطبيعة إنسانية . والجدير بالتنويه أن هذه النظرية قد أدانها مجمع أفسس فى عام 431 ، وأدان صاحبها "نسطور" بأنه هرطيق (صوابها : هرطوقى) وبالتالى حلت اللعنة على "هيباتيا" باعتبارها من أتباع نسطور . وفى عام 415 قتلها بعض الرهبان بطريقة بشعة ، وذلك بأمر من البابا كيرلس بطريرك الإسكندرية .

وفى عبارة موجزة ، يمكن القول بأن الفلسفة فى مصر انتهت فى النصف الثانى من القرن الخامس . أما فى أوروبا فقد ظهرت "هيباتيا" لأول مرة بسبب شهرتها فى مجال الإشكاليات الدينية والفلسفية ، وكان ذلك فى القرن الثامن عشر المعروف بعصر التنوير . وفى عام 1720 نشر "جون تولاند" مقالا تاريخيا مطولاً عنوانه "هيباتيا" ركز فيه على كهنة الإسكندرية برئاسة البطريرك كيرلس المدبر لهذا الفعل المرعب ، وهو قتل هيباتيا من قبل الكهنة الذين قاموا بتنفيذ غضبه المتعصب . أما "فولتير" فقد استعان بصورة "هيباتيا" للتعبير عن اشمئزازه من الكنيسة ومن الدين الموحى (يقصد : الموحى به !) ففى رأيه أن قتل "هيباتيا" مردود إلى تفكيرها العقلانى وثقتها فى قدرات العقل الإنسانى عندما يتحرر من الدوجما ، أى المعتقد المفروض عليه . هذا الرأى وارد فى القرن الثامن عشر . أما فى القرن العشرين ففى كتابه "تاريخ الفلسفة الغربية" اقتبس "برتراند رسل" وصف جيبون لقتل "هيباتيا" وقال معلقا بامتعاض إن "الإسكندرية ، بعد هذا الحادث ، خلت من متاعب الفلاسفة " . وفى القرن الثانى عشر حدث فى قرطبة بأسبانيا فى عام 198 حادث أكثر مأساوية من حادث "هيباتيا " حيث اتهم الفيلسوف الإسلامى ابن رشد بالإلحاد ، فأحرقت مؤلفاته ونفى إلى قريته أليسانه . وكان مفهومه عن التأويل هو سبب هذا الاضطهاد .. إلخ .

أغـلاط بالجملة

انتهى كلام د. مراد وهبة ، ليبدأ فزعى من كمية (الأخطاء ) التى وردت فيما أوردناه من كلامه . وهى أخطاء بالجملة ، ليس على مستوى (الرؤية) أو (القراءة الفلسفية) أو (التأويل) وإنما هى غلطات فى المعلومات البسيطة والوقائع التاريخية والحقائق المشهورة ..ونظراً لمكانة المؤلف وكونه أستاذاً للفلسفة منذ عشرات السنين ، فلسوف نكتفى فيما يلى بتصويب هذه الأخطاء ، خشية أن يراها المبتدأون من قراء (الهلال) فيعتقدون بصحتها . ونوجز ذلك على النحو التالى :

أولاً : إن كتاب إدوارد جيبون ليس عنوانه (صعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية) ولاترد فيه كلمة صعود! فهو فى أصله الإنجليزى The Decline and Fall of the Roman Empire وبالتالى فهو بالعربية : اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية ..

ثانياً : إن كتاب (جيبون) هو اليوم من الأعمال الكلاسيكية التى يرجع إليها القارئ العام ، لا المتخصصين . فقد عاش مؤلفه فى القرن الثامن عشر واجتهد فى التأريخ لانهيار الرومان ، فصار كتابه مشهوراً فى زمانه . ولكن فى زماننا هذا ، هناك دراسات أخرى أكثر تقدماً وتخصصاً . مما يجعل كتاب (جيبون) عملاً ممتعاً لعموم القراء ، لا مرجعاً لأساتذة الفلسفة .

ثالثاً : لم تكن (هيباتيا) تهتم بالديانات ! بل كانت تشتغل بالرياضيات والفلك .. وقد لمع اسمها لما أشار إليها والدها الرياضى الفيثاغورى السكندرى العظيم (ثيون) فى مقدمة شرحه لكتاب كلوديوس بطليموس الشهير فى الفلك ، قائلاً إنها ساعدته فى إنجاز هذا العمل . ثم طارت شهرتها فى الآفاق بعد وفاة والدها باعتبارها امتداداً لهؤلاء (العلماء) السكندريين الذين اشتغلوا بالعلم من قبلها بمئات السنين .. ثم صارت أسطورة بسبب واقعة مقتلها المرعبة . وفى واقع الأمر ، فقد (أوحى) كيرلس بقتلها ، لكنه لم يأمر به أمراً صريحاً .

رابعاً : لم يكن جيبون فى كتابه المذكور يتحدث عن (هيباتيا) أصلاً ، وإنما أورد بضعة أسطر عنها فى الصفحة رقم 17 الفصل 47 من الجزء الخامس (بحسب طبعة لندن 1994 فى ستة مجلدات ) فى معرض كلامه المطول عن البابا كيرلس أسقف الإسكندرية العنيف ، الذى تولى الأسقفية بعد خاله البابا ثيوفيلوس المتوفى (المتنيح) سنة 412 ميلادية .

خامساً : لم يحدث (أبداً) أن هيباتيا كما يقول الأستاذ الدكتور : "ارتأت أن ليس ثمة تناقضاً بين الأفلاطونية الجديدة والمسيحية" ! ولا أدرى من أين جاء كاتبنا بهذا الكلام .. بل الأكثر من ذلك ، أن (هيباتيا) لا شأن لها أصلاً بالأفلاطونية المحدثة ، ولا بالمسيحية ! كل ما فى الأمر أن (كيرلس) اعتقد أنها بما تصنعه من آلات فلكية وأسطرلابات ، تقوم بأعمال السحر ! واعتقد أنها هى السبب فى الخلاف بينه وبين حاكم المدينة (أورستيس) الذى كان مسيحياً ، لكنه لم يكن يوافق على عنف كيرلس ، وكان معجباً بشخصية هيباتيا .

سادساً : ليس صحيحاً (أبداً) أن هيباتيا كانت من أتباع نسطور ، أو أنها قُتلت لأن اللعنة حلت عليها باعتبارها من أتباعه .. بل أستطيع هنا من جانبى ، تأكيد أن (هيباتيا) لم تسمع أصلاً اسم نسطور .. فقد قُتلت هيباتيا سنة 415 بالإسكندرية ، فى الوقت الذى كان فيه (نسطور) قسيساً صغيراً فى (أنطاكية) يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً .. ولم يحدث أن جاء (نسطور) إلى الإسكندرية ، مثلما لم يحدث أن ذهبت (هيباتيا) إلى أنطاكية .. ولم يحدث أن (نسطور) اهتم بالرياضيات ، مثلما لم يحدث أن هيباتيا انشغلت بطبيعة المسيح : هل هى إلهية أم إنسانية !

سابعاً : لم تتم إدانة (نسطور) فى مجمع أفسوس المسكونى سنة 431 ميلادية ، لأنه "صاحب نظرية : أن المسيح له طبيعتان ، إلهية وإنسانية " فهذه (النظرية) إن صح وصفها بذلك ، هى (قول) قرره كثيرون من قبل نسطور بزمان طويل ، منهم بولس السميساطى وآريوس السكندرى وتيودور المصيصى (مفسر الإنجيل) وكل منهم صاغه على نحو مختلف ليشير بطريقة ما ، إلى اعتقاده بأن السيد المسيح هو النبى المخلص ، فحسب ، وهو لايمكن أن يكون (الله) بذاته .. أما نسطور فقصته مع كيرلس هى الآتى :

تولى نسطور أسقفية القسطنطينية (عاصمة الإمبراطورية) سنة 428 ميلادية . أى بعد وفاة هيباتيا بثلاثة عشر عاماً ! فألقى خطاباً يوم رسامته أسقفاً أمام الجموع ، ونبه الناس فيه إلى أنهم لا يجب أن يردِّدوا اللفظ الذى كان يجرى آنذاك على ألسنة الناس لوصف السيدة مريم (العذراء) بقولهم : ثيوتوكوس ! وهى كلمة يونانية تعنى : والدة الإله . كان رأى نسطور ، الذى كان ترديداً لرأى أستاذه تيودور المصيصى ، أن الإله لا يلده إنسان وأنه لايصح وصف امرأة بأنها والدة الإله ، وأنه لايجوز أن نعبد المسيح لأن المجوس سجدوا له وهو طفل رضيع ، وأن الله ظهر فى المسيح كما تظهر الشمس من كوة (وكما يظهر النقش على خاتم) وظهور الشمس من كوة لايجعل الكوة شمساً ، كما أن ظهور النقش على خاتم لايجعل من الخاتم نقشاً .

وكتب كيرلس السكندري إلى نسطور ، مستوضحاً ما ذكره الأخير فى خطاب رسامته ، ومعترضاً عليه . فردَّ نسطور عليه بجفاء شديد ، منكراً على (كيرلس) أنه نصَّب نفسه حامياً للديانة المسيحية فى العالم ! .. واشتد الخلاف ، فانعقد مجمع أفسوس فى السنة المذكورة . ولا نستطيع هنا أن نسرد ما جرى فى هذا المجمع ، فهى أحداث طويلة ومؤسفة ، ولكن نشير فقط إلى أن المجمع انعقد قبل موعده برئاسة كيرلس ، وعزل نسطور قبل وصول الإمبراطور والبابا ! ولما جاء الإمبراطور (ثيودسيوس الثانى ) عزل كيرلس ونسطور .. ولما تمت تسوية الموضوع سياسياً، أُعيد كيرلس لمنصبه ونُفى نسطور .. كل هذا جرى فى أفسوس سنة 431 ميلادية ، فى مجمع مسكونى (عالمى) واحد ، وكان مقدمة لانشقاق الكنائس عن بعضها ، وهو الانشقاق الذى حدث بشكل حاد فى المجمع التالى الذى انعقد فى مدينة خلقيدونية سنة 451 ميلادية .

أخيراً : لا أدرى الصلة بين ما جرى لهيباتيا وما جرى مع ابن رشد ، ولا أفهم كيف يكون لما حدث فى قرطبة سنة 1198 ميلادية ، أى صلة بموضوع المقالة (الفلسفة فى شمال أفريقيا) فقرطبة هى فى الأندلس ، والأندلس هى فى أوروبا ، وليست فى أفريقيا .. غير أن الأهم من ذلك كله ، هو قول الكاتب صراحة "حدث مع ابن رشد حادث أكثر مأساوية من حادث هيباتيا" فهذا هو العجب العجاب ! فما حدث مع هيباتيا كان من البشاعة بحيث لا أحب أن أُرعب القراء بذكره هنا ، وقد خصصت له فصلاً كاملاً فى روايتى الأخيرة (عزازيل ، رواية الراهب هيبا) التى ستنشر قريباً ، ولا أريد أن أورده هنا ، لكنى سأورد (حدوتة) ابن رشد التى كتبت عنها أكثر من مرة قبل أكثر من عشر سنوات ، فقلتُ .. ولم يسمعنى أحد:

حدوتة ابن رشد

هو (الفيلسوف المدلَّل) فى كتابات معاصرينا، وهو قبل هذا (الفقيه المالكى) وطبيب السلطان: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، المعروف بابن رشد الحفيد، تمييزاً له عن جده (أبى الوليد ابن رشد) الذى كان هو الآخر فقيهاً، يحمل الكنية واللقب ذاتهما .. وكان مولد (ابن رشد) سنة 520 هجرية، وتوفى وهو فى الخامسة والسبعين من عمره سنة 595 هجرية . وللمعاصرين افتتانٌ بابن رشد، بل فتنةٌ وتهويل وتدليل.. فهو عندهم : شهيدُ الفلسفة.. وأعظمُ الفلاسفة وآخرهم فى تاريخ الإسلام .. والطبيبُ العظيم .. والعقلانىُّ الهائلُ .. إلى آخر هذه الخرافات !

ولاشك فى أن ابن رشد شخصية (مهمة) فى تاريخ الفكر الفلسفى الإسلامى ، لكنه لم يكن بحال (شهيداً) للفلسفة أو غير الفلسفة، فقد عاش فى كنف الأمير أبى يعقوب، ومن بعده عاش فى كنف ولده الأمير أبى يوسف يعقوب المنصور.. فتولى قضاء (قرطبة) وصار طبيب السلطان ، وكان له شأنٌ كبير بين معاصريه . غير أن (المنصور) غضب عليه مرةً، لأنه كان يرفع معه التكليف، ويخاطبه بقوله (اسمعْ يا أخى) وهو ما كان السلطان يمتعض منه، حتى أنه استمع فيه إلى وشايات أعدائه، وكان الوقت آنذاك زمن حرب واقتتال، ولامجال للمماحكات .. فأمر المنصور بنفى ابن رشد إلى بلدة (ألْيُسَانة) وهى بلدة هادئة قريبة من قرطبة، أغلب سكَّانها من اليهود الذين كانوا آنذاك يشتغلون بالعلم ! كما أمر السلطان بإحراق مجموعة من نسخ كتبه (التى هى فى معظمها شروحٌ على كتب أرسطو، وضعها ابن رشد بتكليفٍ سلطانىٍّ سابق) فأُحرقت بعض مخطوطات من هذه الكتب بقرطبة، فى مشهدٍ مسرحىٍّ قُصد به ترضية فقهاء المالكية المتشددين ، بإظهار غضب المنصور على ابن رشد! مع أن الجميع يعلم أن لهذه الكتب نسخٌ أخرى لاحصر لها، وأنها ستبقى من بعدهم إلى زماننا هذا حيث تمتلىء رفوف مكتباتنا بنشراتها وتحقيقاتها وركام من الدراسات حولها .

ولم يكن ابن رشد، وحده، فى هذه المحنة العارضة . وإنما انصبَّ غضب (المنصور) وقتها ، على جماعة من المفكرين والعلماء ، منهم : القاضى أبو عبد الله الأُصولى، الشاعر أبو العباس الحافظ، أبو جعفر الذهبى، أبو الربيع الكفيف، محمد بن إبراهيم .. وبعد سنة واحدة وثمانية شهور، رضى (المنصور) ثانيةً على ابن رشد، فأعاده إلى (قرطبة) ليتولَّى منصبه السابق فيصير طبيب البلاط، حتى توفى ، فتولاه من بعده ابنه (أبو محمد عبد الله ابن رشد) .. ويقال إن بعض أولاده الآخرين، لجئوا بعد وفاته إلى بلاط هوهنشاوفن (بألمانيا) وعاشوا هناك! وكان أصعب ما مَرَّ على (شهيد الفلسفة) بحسب شهادته هو، التى رواها عنه الأنصارى (كاتب سيرته) هى ، بالنص : أعظم ما طرأ علىَّ فى النكبة، أنـِّى دخلتُ أنا وولدى عبد الله مسجداً بقرطبة، وقد حانت صلاةُ العصر، فثــار لنــا بعض سفلة العامة، فأخرجونا منه !

أما الزعم بأن ابن رشد هو أعظم الفلاسفة المسلمين وآخرهم ، وبأنه "أكثر مأساوية" فما هو إلا تهويلٌ ومبالغة. فقد كان الرجل فيلسوفاً، كالآخرين . يسعى لتأكيد الصلة بين الدين والفلسفة كالآخرين . ويجتهد فى بيان أهمية إعمال العقل فى كل الأمور كالآخرين . ويضع المؤلفات ويدبج الفتاوى وينتقد السابقين ، كالآخرين .. وهو بالقطع ليس آخر الفلاسفة الإسلاميين، وإلا فأين سنضع نصير الدين الطوسى، وأثير الدين الأبهرى وأفضل الدين الخونجى وابن النفيس وعضد الدين الإيجى، وغيرهم، وكلهم من أهل القرن السابع الهجرى (عاش ابن رشد وتوفى فى القرن السادس الهجرى) وأين سنضع اللاحقين عليهم من أهل القرون التالية، أمثال صدر الدين الشيرازى وسعد الدين التفتازانى والسيد الشريف الجرجانى .. وغيرهم . ناهيك عن فلاسفة الصوفية ، من أمثال ابن عربى وابن سبعين وعبد الكريم الجيلى .. وغيرهم .

ولم يكن ابن رشد طبيباً عظيماً، وكتابه المتداول اليوم (الكليات) هو محض كلامٍ نظرىٍّ تقليدىٍّ فى الطب، لم يخرج عما كان سائداً من قبل ابن رشد .. فالكتاب لايمثل فتحاً طبياً، ولا اعتمد عليه طبيبٌ واحد، ممن جاءوا بعد ابن رشد ! ولقد أمضيتُ السنوات الطوال فى دراسة تاريخ الطب العربى الإسلامى، وفهرستُ آلاف المخطوطات؛ ولم أجد إشارةً واحدة لابن رشد عند كبار الأطباء اللاحقين عليه، ابتداءً من موفق الدين البغدادى وابن النفيس (القرن السابع الهجرى) حتى داود الأنطاكى والقوصونى (القرن الحادى عشر الهجرى) .. بل إلى يوم الناس هذا ! فهذا نصيبه من الطب، والرجل لم يزعم أنه طبيب عظيم، وإنما وجد معاصره (ابن زهر) يضع كتاباً فى المعالجات ومداواة الأمراض والأمور (الجزئية ) عنوانه : التيسير.. فأراد هو أن يستكمله بالكلام فى (الكليات) وكل مَنْ درس تاريخ العلوم ، يعرف أن الطب - وسائر العلوم - كان يتقدَّم عبر التاريخ الإنسانى بالبحوث الجزئية وبالاكتشافات وبالمعالجات ، وليس بالكلام فى الكليات !

وأخيراً ، فابن رشد ليس عقلانياً هائلاً كما يزعمون . فهو ، كسائر فلاسفة الإسلام، يعتنى بالعقل . غير أن بعض هؤلاء الفلاسفة، ومنهم أستاذه ابن طفيل، تجاوزوا البحث العقلى وقرنوه بالذوق والإدراك الصوفى (فوق الحسى) .. وهو ما لم يفعله ابن رشد. لكنهم كلهم، أهلُ علمٍ وفلسفةٍ وفضل، ولافضل لبعضهم على بعض بهذه العقلانية الموهومة .

والرأى عندى ، أن مبالغة معاصرينا فى أمر ابن رشد ، إنما هى عدوى أصابتهم لما وجدوا الغرب يحتفى بابن رشد بسبب أثره فى ثقافتهم . فراح أهلونا ، أو بعض أهلينا من الباحثين، يسايرون الغربيين فى اهتمامهم بابن رشد .. حتى لو اقتضى ذلك منهم، إهدار السياق الحقيقى للفلسفة الإسلامية ، وتضييع الرؤية الواضحة لتاريخنا .

ختـام

وبعد .. فقد تردَّدتُ كثيراً فى كتابة هذه المقالة . لعلمى أن د. مراد وهبة أستاذ قديم فى الفلسفة ، ولايجوز نقده هكذا على الملأ . كما أننى لا أعرفه بشكل شخصى وليس بيننا أىُّ خصومة ولا أى مودة ، فأنا لم التق به فى حياتى إلا منذ عشرين عاماً فى لقاء عابر لا أذكر اليوم تفاصيله ، وهو بالقطع لا يذكرها .. لهذا ، كنتُ أقول فى نفسى ، ما قاله الإمام الغزالى فى كتابه (المنقد من الضلال) قبل قرابة ألف عام : ماذا سيجرُّ عليك ذلك ، إلا معاداة أهل زمانك !

غير أنى نظرت إلى الأمر من زاوية الدارس المبتدئ والمثقف العام وقارئ المجلة ، فوجدت أنهم سوف يصدقون (بالطبع) ما يقوله الأستاذ الكبير فى مقالته .. ومن هنا ، رأيت ضرورة تصويب الأخطاء التى وردت (بالجملة) فيها .. مكتفياً بما ورد فى الصفحة الأولى (فقط) من المقالة ، أما بقية الصفحات فالمجال هنا يضيق عن وصف ما جاء فيها .
فتدبَّر !
 

 

حقوق النشر محفوظة ( 1999-2011 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online