فى مقالٍ سابق تناولنا بالتحليل أحد
تجليات المواجهة الثقافية بين مصر- والعرب عموماً-
و بين إسرئيل ، وهى المواجهةُ التى ذكرنا أنها قد
صارت واقعاً لا يمكن إنكاره أو التهوين من شأنه ، بل
نؤكِّد هنا أنها عمليةٌ طبيعيَّةٌ فى إطار (تفاعل
الثقافات) بالمفهوم الاجتماعى الخاص والمفهوم
الفكرى العام .. وكان تحليلنا السابق منصبّاً على
صيغةٍ ذات طابع فنى ، أما اليوم ، فالصيغة التى نعكف
على تأمُّلها لاستجلاء حقيقة أمرها وفصل القول
فيها ، وهى صيغةٌ ذات طابعٍ تنظيمىٍّ إدارى ..
وغنىٌّ عن البيان أنَّ هذه الصيغ كلها - ما مَرَّ
منها وما سيأتى- ستتمُّ فى إطارِ (الثقافى العام)
ومن هنا برزت مشروعية تناولها على هذه الصفحة
بالذات . وعلى ذكر ( الثقافى العام ) يجدر بنا التلبث
عند نقطةٍ دقيقة لابد من الإشارة إليها قبل الولوج
إلى صيغة المؤسسة ضد الفرد التى نسعى هنا لتحليلها
.. وتلك النقطة الدقيقة هى طبيعة التباين الثقافى
وحدود كل ثقافة على حدة ؛ وهاك بيان الأمر :
قد يعتقد البعض أن المواجهة الثقافية
الدائرة اليوم -وغداً - هى بين ثقافة مصر وثقافة
إسرئيل ، لكن هذا وَهْمٌ عظيم وجَهْلٌ فادح لن ينتج
عنه إلا الأفكار العرجاء .. ذلك لأنه فى الوقت الذى
لا يمكن فيه الحديث عن ثقافة ( مصرية) دون الوعى
بمكوِّنات هذه الثقافة وامتداد روافدها :
الفرعونية - اليونانية/ الرومانية- القبطية -
العربية / الإسلامية . لا يمكن الحديث عن ثقافةٍ (إسرائيلية)
دون إدراك لجذور اليهودية التاريخية وللأطراف
الجغرافية لفكرة الصهيونية ، ودون الوعى بأن
إسرائيل الحالية - أعنى إسرائيل الفاعلة
والمتفاعلة معنا ثقافيّاً - هى على نحوٍ ما ، خلاصةٌ
وتلخيص للثقافة الغربية المعاصرة بكل مكوِّناتها ..
المواجهة إذن على ساحة الثقافة ليست بين مصر
وإسرائيل ، وإنما بين ثقافة هائلة تمثلها مصر
وثقافةٍ أخرى مماثلة فى الهول تمثلها دولة إسرائيل
الحالية . نقول هذا حتى لا تبادر الأذهانُ إلى
ابتسار الأمر واختزاله فى صورة جزئية ، ثم نفاجئ
بعد ذلك باتساع الأمر فنغرق فيه .
بعد هذه المقدِّمة الضرورية ، نقول: أما
المراد بصيغة المؤسسة ضد الفرد فهو الاختلال
الواضح فى عملية المواجهة الثقافية التى تقوم فيها
إسرائيل بالمواجهة من خلال (المنظومة المؤسساتية)
بكل ما تشتمل عليه هذه اللفظة من مفاهيم الدقة
والتكامل والتخطيط .. بينما تقوم مواجهة الثقافة
التى ننتمى إليها اعتماداً على (التوجُّهات
الفردية) بكل ما تنطوى عليه اللفظة من مفاهيم
الوقتية والعاطفية وقابلية التشتيت .
والمؤسسة الإسرائيلية التى تدير عملية (
التفاعل) الثقافى تنقسم إلى رافدين مختلفين
يصبَّان فى منبعٍ واحدٍ من خلال مجرى واحد له ضفةٌ
ظاهرةٌ معلنة والأخرى باطنة مستترة .. فأما
الرافدان فهما :
(1) الجمعيات المعروفة التى تعمل فى وضح النهار ،
كجمعية مقاومة العداء للسامية .
(2) التجمُّعات ذات الطابع الكواليسى التى تعمل من
وراء ستار ، كاللوبى اليهودى فى أروقة السياسة
الأمريكية .
وأما المنبع الواحد الذى
يصب فيه الرافدان فهو المصلحة الإسرائيلية العامة
فى صورتها السياسية أو العسكرية أو الثقافية ، وهو
منبعٌ ومصبٌّ فى نفس الوقت ، إذ ينبع الرافدان من
إسرائيل، ويصب خير المجرى المشترك لهما فى إسرائيل
.. وأما الضفة المعلنة لمجرى النهر، فنراها فى
اعتراضات الجمعيات الإسرائيلية - وسفارة إسرائيل
بالقاهرة-على بعض ما تنشره الأقلام فى الصحف
المصرية والإعلام المصرى ضد إسرائيل ، بدعوى أنه ضد
التطبيع وسياسة الدولتين ( مع أن إسرائيل ووسائل
الإعلام تنشر وتذيع نقداً أشد لهجةً لإسرائيل
وسياستها) وهناك الضفة الخرى لمجرى النهر ، أعنى
الضفة المستترة الخافية التى نستشعر جرياتها فى
المؤتمرات التى تُعقد فى عواصم العالم الغربى ، وفى
ترتيبات اللجان التى تمنح الجوائز وترسم طرائق
الوصال والمحبة بين البشر ، على نحو ما تفعل (الماسونية)
مثلاً .
تلك هى حدود (المؤسَّسة) التى تدير
المواجهة الثقافية- بل سائر المواجهات المطروحة
بحسب الوقت والأحوال - فى إسرائيل .. وفى مصر ، يقوم
بالمواجهة فرادى المثقفين ، وكل واحدٍ منهم يعلن عن
ذاتيته بقوله : أنا آخر من سيذهب إلى إسرائيل - أنا
لا أمانع فى زيارة إسرائيل لأعرف مَن هؤلاء وكيف
يفكرون - أنا أرفض التطبيع الثقافى - أنا لا أعترض
على التطبيع الشامل إذا التزمت إسرائيل بخطة
السلام ... أنا ..أنا .. وهكذا تواجه الأنا المنفردة
المتشظية، برنامج المؤسسة المنضبطة المتكاملة .
والآن : ماذا يمكن للفرد أن يفعل فى
مواجهة المؤسسة؟ أظنُّ أن الإجابة واضحةٌ كالشمس :
تهرس المؤسسة الفرد ! و لا يتبادر هنا لأى ذهن أن (الهرس)
سيكون بالتصفية الجسدية مثلاً .. فهذا أمرٌ ليس الآن
أوانه ولا محله ، ففى أيام المواجهة العسكرية يكون
حل (التصفية) وارداً - كما فعل الموساد حين اغتال
الدكتور المشد ، المصرى ، ليؤخِّر المفاعل النووى
العراقى - أما فى أيام المواجهة الثقافية فالحلول
المطروحة ناعمة كالحيات ، منها خلخلة اليقين
الشخصى بموقف الرفض التام أو الموت الزؤام ! ومنها
شخللة الجيوب بالجوائز والدعوات السخية ! ومنها
تشكيك الفرد فى صدق نوايا الأفراد القابعين معه فى
نفس الخندق ! ومنها .. ومنها .. والنهاية أن الفرد -
لامحالة- مغلوبٌ من المؤسسة .
وإسرائيل حريصةٌ على عدم قيام مؤسسة
ثقافية مصرية تدير حركة التفاعل الثقافى لصالح مصر
، ولا يزال يؤرِّقها إجماع المثقِّفين المصريين
على رفض التطبيع الثقافى ، وإصرارهم على الفصل بين
ما هو سياسى وما هو ثقافى (مع العلم بأنهما فى
الواقع : لا ينفصلان) وقد خشيت إسرائيل من هذا
الإجماع أن يكون نواةً لمؤسسةٍ ثقافية حقيقية ،
فاستطاعت بمهارة أن تلتقط بعض (الأفراد) وتجذبهم
لجانبها ، فهذا يقوم برحلةٍ إلى هناك ، وذاك يقبل
الجائزة الأدبية العليا فى إسرائيل ، والآخر يقوم
بتسجيل البرامج لإذاعة إسرائيل من أورشليم القدس..
وهكذا ، وعلى الرغم من أنهم فى النهاية (أفراد) إلا
أن الظاهر الموهوم ، سيكون : إن المثقفين المصريين
منقسمون فى موقفهم من التطبيع الثقافى، وإن هناك (مَنْ)
يقبلون ، كما أن هناك (مَنْ) يرفضون . وعلى هذا النحو
يتبدَّد الاجماع العام ، ولو كذباً وزوراً ، وتنتفى
إمكانية قيام مؤسسة مصرية لإدارة فعاليات المواجهة
الثقافية مع إسرائيل .
ومصـر ينبغى لها أن تحرص على قيام
مؤسستها الثقافية ، لا أقصد أن يصدر قرارٌ سياسى
بتكوين هيئةٍ عليا أو مؤسسة حكومية ، وإنما أعنى:
تنظيم الجهود وجمع الرؤى وضم الشتات ، وتنسيق
ترسانة الأفكار والمفكرين ، ودعم الثقافة الوطنية
والإيمان بالتخطيط .. تلك هى المؤسسة ، وتلك هى
القضية .
وبعد .. فربما نعود للكلام عن صيغٍ أخرى ،
وبالطبع ، دون أن أترك يدى من بحوثٍ تراثية وفهرسةٍ
للمخطوطات ودراسةٍ لتاريخ العلوم العربية
وانشغالٍ بالفلسفة واشتغال بها .. فالأمر فى الكل
متصل ! |